بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
لدار الإفتاء المصرية تاريخ يجب أن نذكره بشيء من التفصيل؛ فلقد رأينا هذا اللقب موجودًا منذ عصر المماليك: مفتي الديار المصرية.. إلا أننا لما وصلنا إلى القرن التاسع عشر الميلادي - وهو الثالث عشر الهجري- رأينا من يتصدر لمنصب مفتي الديار المصرية وهو محمد المهدي العباسي صاحب الفتاوى المهدية، حفيد المهدي العباسي الكبير.
أقص لكم قصة ذلك من البداية: الشيخ المهدي العباسي الكبير (ت: 1230هـ)- وكان رحمه الله تعالى نصرانيا فمن الله عليه بالإسلام على يد الشيخ الحفني شيخ الأزهر في ذلك الوقت وبلغ من المكانة العلمية والمحبة في قلوب الناس الشيء الكثير حتى إنه رُشِّح شيخا للأزهر (1227هـ) إلا أن محمد علي آثر بها الشيخ الشنواني ولم يتولَّ المهدي العباسي الكبير مع إجماع العلماء عليه وعلى علمه وفضله وفكره وتقواه لم يتولَّ مشيخة الأزهر وإنما رشح لها. ولكن تولى ابنه محمد أمين المهدي الإفتاء (1247هـ) كما يفيد ذلك أحمد باشا تيمور في بعض كتبه.
وفي عام (1264هـ) ذهب الخديوي[1] إلى تركيا وهناك أوصاه شيخ الإسلام بأبناء الشيخ المهدي العباسي الكبير خيرًا فقد كان محبوبا لدى الجميع، وحينئذ كان الشيخ محمد العباسي المهدي بن محمد أمين مازال طالبا يدرس، وكان ابن عشرين عاما - وهو حفيد المهدي العباسي الكبير- فنصبوه مفتيا للديار المصرية.
ولم يستكن محمد المهدي العباسي بل إنه درس وبذل الجهد وحرر الفتاوي واستعان بكبار العلماء حوله، وأصبح مفتيا للديار المصرية في عهد إسماعيل باشا، وكانت له مواقف.
هذه المواقف لم يكن يقف فيها مع الحكومة ولم يكن يقف فيها مع المعارضة بل كان يقف فيها مع ما رآه أنه الحق، ولذلك نراه لم يقف مع الثورة العرابية باعتبارها عنده ليست مناسبة، حتى إن الخديوي توفيق ظن أنه بذلك يكون واقفا مع الحكومة، فارتضاه شيخا للأزهر لفترتين بجانب منصب مفتي الديار المصرية، ويظهر له بعد ذلك أن الشيخ محمد المهدي العباسي ما هو إلا رجل مستقل لا يقف مع الحكومة ولا يقف مع المعارضة بل يقف مع دين الله سبحانه وتعالى، ولذلك فقد أعفاه من منصب شيخ الأزهر (1298 هـ) ولكنه ظل مفتيا حتى توفي( 1315هـ) رحمه الله تعالى.
في هذه الآونة وبعد عصر إسماعيل تكونت الوزارة، وفي هذه الوزارة نشأت "نظارة الحقانية" وهي عبارة عن وزارة العدل الآن، وكان الفقيه الحنفي القدير قدري باشا- صاحب الكتب الماتعة في معرفة الإنسان وفي الأحوال الشخصية، وفي قانون العدل والإنصاف في الأوقاف[2] وغيرها من الكتب- وزيرا للعدل؛ وكان عالما متمكنا من المذهب الحنفي ، ومكنته دراسته من إجادة أكثر من لغة بجانب العلوم الشرعية واهتمامه بالفقه، ورأى الخديوي توفيق أن يضع في وزارة الحقانية مفتيا للوزارة؛ فعين فيمن عين الشيخ محمد البنا وهو من كبار العلماء الأحناف، وظل الشيخ محمد البنا مفتيا للحقانية في حين أن الشيخ محمد المهدي العباسي كان مفتيا للديار المصرية، وكانت هناك مناصب أخرى في الإفتاء كمفتي الصعيد مثلا والذي تولاها ممن تولاها الشيخ محمد مخلوف المنياوي المالكي، والذي له كتاب المقارنات التشريعية بين القانون الفرنسي والمذهب المالكي.
ظل الشيخ محمد المهدي العباسي مفتيا للديار المصرية إلا أنه أصيب بمرض أقعده عن التمكن من أداء هذه الوظيفة التي أسندت إليه لأكثر من 50 عاما وصدرت له "الفتاوي المهدية" في 7 مجلدات،وهي تشتمل على الفتاوي التي أصدرها خلال هذه السنين وهي فتاوي محررة تدل على علم الرجل.
إذن هناك منصبان: المنصب الأول: هو مفتي الديار المصرية، والمنصب الثاني معه أيضا وفي نفس الوقت: هو مفتي الحقانية .. الأول يشغله الشيخ محمد المهدي العباسي والثاني يشغله الشيخ محمد البنا.
فلما مرض الشيخ محمد المهدي العباسي أحالوا على سبيل النيابة إفتاء الديار المصرية إلى الشيخ محمد البنا فظل مفتيا للديار المصرية قليلا، ثم بعد ذلك رأوا أن يحيلوا هذا إلى شيخ الأزهر، فجمع الشيخ حسونة النواوي بين النيابة عن محمد المهدي العباسي في القيام بالإفتاء وبين مشيخة الأزهر.
مات الشيخ محمد المهدي العباسي 1315 هـ -1897م، وتولى الشيخ حسونة النواوي الإفتاء نيابة عن الشيخ -وليس بالأصالة- سنة 1895م، فظل في هذا الأمر لمدة سنتين.
عندما تحول الإفتاء من الشيخ محمد البنا إلى الشيخ حسونة النواوي- لأسباب لا نعرفها- قدم الشيخ محمد البنا استقالته فعينوا مكانه في إفتاء الحقانية الشيخ عبد الرحمن النواوي قاضي قضاة الإسكندرية الشرعي وأصبح مفتيا للحقانية في حين كان ابن عمه حسونة النواوي هو شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بالنيابة بعد ذلك.ولما مات الشيخ محمد المهدي العباسي مفتي الديار المصرية عُين مكانه الشيخ محمد عبده سنة 1899م.
فإذن..؛ سنة 1899 اجتمع لمحمد عبده المنصبان فأصبح مفتيا للديار المصرية وأضيف له مفتي الحقانية،
وهذا التاريخ الموثق مثبت في الوقائع المصرية و في السجلات – هذا التاريخ يقضي على الإشاعة التي يرددها بعض المتصدرين من الأفاضل بأن الإنجليز هم الذين أنشئوا دار الإفتاء المصرية من أجل أن تقوم بصدع المؤسسة الدينية أو تقوم بالصراع بينها وبين الأزهر ..! هذا الكلام كلام غير صحيح لأنه في وقت ما تولى الشيخ محمد المهدي العباسي المنصبين معا، وفي وقت ما تولى الشيخ حسونة النواوي المنصبين معا، وفي وقت ما اجتمع المنصبان لشخص وكان أول من اجتمع له المنصبان مفتي الحقانية ومفتي الديار المصرية هو الشيخ محمد عبده الذي تولى سنة 1899م وانتقل إلى رحمة الله سنة 1905م
وهناك تاريخ طويل إذا بدأنا من الشيخ محمد عبده فأكون أنا العبد الفقير إلى الله علي جمعة المفتي السابع عشر من سنة 1988 إلى اليوم، ونحن نتكلم على مشارف سنة 2009 بمعنى أن هناك 110 سنة تقريبا من السنين الميلادية فيها 17 مفتيا؛ فبعد الشيخ محمد عبده كان هناك الشيخ بكر الصدفي، ثم الشيخ محمد بخيت المطيعي، ثم الشيخ البِرديسي، ثم الشيخ عبد الرحمن قُرَّاعة، ثم الشيخ عبد المجيد سليم الذي أصبح بعد ذلك شيخا للأزهر، ثم الشيخ حسنين محمد مخلوف وحدثت فترة بعد الشيخ مخلوف، ثم أتى الشيخ علام نصار، ثم الشيخ حسن مأمون الذي أصبح بعد ذلك شيخا للأزهر، ثم الشيح محمد هريدي، ثم الشيخ محمد خاطر، ثم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الذي أصبح بعد ذلك شيخا للأزهر، ثم الشيخ عبد اللطيف حمزة، ثم الشيخ فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي الذي أصبح بعد ذلك شيخا للأزهر.
ثم الدكتور نصر فريد واصل، ثم الدكتور أحمد الطيب، ثم علي جمعة.
في هذه المسيرة نجد أن خمسة على الأقل ابتداء من الشيخ حسونة النواوي وانتهاءً بفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد سيد طنطاوي قد تولوا الأزهر بعد الإفتاء، وهذا يدل دلالة واضحة مرة أخرى أن المدعين بأن المؤسسة الدينية منفصمة أو هذا ضد هذا وهكذا؛ إنما هي انطباعات وأفكار لا علاقة لها بالحقيقة والواقع.
دار الإفتاء المصرية من حيث المكان كانت تشغل- ولأن المفتي كان شيخا للأزهر محمد المهدي العباسي، حسونة النواوي- الرواق العباسي، وكانوا يقسمونه إلى 3 غرف، وبعد ذلك لما تولى الشيخ محمد عبده، وقد اجتمع له مفتي الديار المصرية ومفتي الحقانية، فأصبحت وزارة الحقانية كأنها مسئولة إداريا وماليا عن دار الإفتاء المصرية التي كانت مؤسسة مستقلة لحالها، إلا أنه ظل المفتي يُعيَّن من قبل الحاكم سواء كان السلطان أو الملك أو رئيس الجمهورية وإلى يومنا هذا.
ظلت دار الإفتاء المصرية هناك في الرواق العباسي إلى سنة 1932م، ثم انتقلت إلى شارع في الحلمية يسمى "نور الظلام" في المحكمة الشرعية العليا، والمحكمة الشرعية العليا هذه كانت هي قصر رياض باشا رئيس وزراء مصر في عهد الخديوي إسماعيل؛ ظلت الدار هناك إلى أن أصيب المبنى بخلل من ناحية وألغيت المحاكم الشرعية سنة 1955م من ناحية ثانية؛ فمن سنة 1932 إلى سنة 1955 ظلت دار الإفتاء المصرية موجودة في قصر رياض باشا الذي شغلته المحكمة الشرعية العليا.
لما انتهت المحكمة الشرعية العليا وأغلقت أبوابها بموجب القانون 1955 فانتقلت دار الإفتاء المصرية إلى قصر عابدين، وشغلت فيه غرفة أو بعض الغرف، ثم انتقلت من قصر عابدين إلى القضاء العالي، وظلت في القضاء العالي مدة شملت الشيخ محمد هريدي وشملت أيضا بدايات الشيخ محمد خاطر، ثم منذ 1975ودار الإفتاء مترددة ما بين قصر عابدين والقضاء العالي، ذهبت إلى ثلاث شقق في العباسية في مجمع المحاكم تبع وزارة العدل، ومما ذُكر في الجرائد ابتداء عام 1932م أن وزارة العدل تريد مبنى لدار الإفتاء يكون مستقلا على النيل في الكيت كات، وهذا الذي رأيناه بعد ذلك محكمة الجيزة التي على ناصية شارع السودان مع شارع الكورنيش بجوار مسجد خالد بن الوليد إلا أنه لم يتم هذا المشروع كما أشير في الجرائد قديما، وحدث أنها أصبحت في العباسية.
وفي الخط والاتجاه نفسه وأن المؤسسة الدينية وحدة واحدة رأينا أن دار الإفتاء أصبح لها قطعة مخصصة تبني عليها، وهي نفس المربع الذي بُنيت فيه مشيخة الأزهر ومكتبتها، وهي نفس المربع الذي بُنيت فيه نقابة الأشراف، وهي نفس المربع الذي تريد وزارة الأوقاف أن تأخذ جانبا منه وتُبنى فيه أيضا، وهذا فيه إشارة إلى أن المؤسسة الدينية وحدة واحدة وليس كما يظن بعضهم.
ثم انتقلت بعد ذلك في سنة 1992 من العباسية إلى المبنى الجديد الذي شيده فضيلة الإمام الأكبر حينما كان مفتيا الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي وهو المبني الذي ما زالت دار الإفتاء تمارس مهامها منه إلى اليوم.
دار الإفتاء حافظت عبر التاريخ على السجلات التي قامت بتدوين الفتاوي فيها؛ ومما منَّ الله به عليَّ أني استطعت أن أصور هذه السجلات عن طريق الماسح الضوئي وأضعها على الكمبيوتر، إلا أنه من المعروف أن الماسح الضوئي لا يُمَكِّنُ من الاسترجاع والبحث بالكلمة لأنه يحافظ على الصورة، ولذلك فبعد هذا المشروع أدخلنا كل الفتاوي الصادرة منذ سنة 1895 وإلى اليوم بالسجلات المنضبطة بطريقة الكلمة أو بطريقة الـ (word) فمكنت الباحثين من البحث، ولذلك فهي الآن بعد ما راجعناها مرة والثانية وصنفناها- وهذا أخذ منا أربع سنوات- أصبحت متاحة للباحثين، في فترات مختلفة هناك رسائل علمية عن الفتوى في دار الإفتاء المصرية، ففي دار الإفتاء المصرية في السياسة والاقتصاد أخذ عبد العزيز شادي دكتوراه في دراسة الفتوى، ومن الأزهر من أخذ الدكتوراه أيضا في فتاوي محمد عبده، ومن دار العلوم مسعود في إسلام أون لاين يحضر الدكتوراه... وهكذا.
ونحن نمكن الباحثين من أن يبحثوا عن الأثر الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الفكري أو الأصولي أو الشرعي في هذا الكم الهائل من الفتاوى.
عندما توليت الدار سنة 2003 كان عدد الفتاوي يقرب من 120.000 فتوى كان الإمام محمد عبده في سجله الثاني بعد الشيخ حسونة النواوي عدد الفتاوي التي أفتاها في خلال 6 سنوات هو 940 فتوى حاولنا أن نلخصها وأن نحذف فتاوى الميراث الخاصة، وفتاوى الحكر وغيرها مما لم يعد الناس موضع اهتمام الناس أو أنها قد ألغيت بموجب القوانين أو أنها نمطية مثل الميراث أو شيء من هذا القبيل، وأخرجنا منتقى من هذه الفتاوي في صورة "فتاوي الشيخ الإمام محمد عبده".
نحن الآن وصلنا إلى إصدار 3000 فتوى يوميا، في حين الشيخ محمد عبده في عصره - 6 سنوات- كان كل ما صدر عنه 944 فتوى.
هذه الظاهرة لا أدعي أنها إيجابية كما أنني لا أدعي أنها سلبية بل أقول أنها يجب أن تدرس: ما الذي حدث؟ هل هذه ظاهرة إيجابية أو أنها ظاهرة سلبية وما أسبابها؟ وكيف نتحكم فيها حتى نضبطها على الوجه الأتم؟
فتحنا موقعا على الإنترنت وهذا الموقع الآن يبث بلغات ثمانية، وهذه اللغات الثمانية هي (العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والأردو والملاوي والتركي) فيمكن لأي شخص في العالم من المسلمين أو غير المسلمين أن يسأل وأن تجيب دار الإفتاء المصرية على المهمة التي كُلفت بها.
أيضا فتحنا ما يسمى بالرقم القصير أو (short number) الذي فيه مركز للاتصالات أو ما يسمى (call center) نتلقى فيه الفتوى ثم نجيب عنها وكنا في البداية نُجيب بعد 24 ساعة ثم أصبحت 12 ساعة ثم ساعة وكان يأتينا نحو خمسون أو ستون مكالمة في اليوم، والآن يأتينا أكثر من 400 مكالمة في اليوم، وفي كل مدة نطور أجهزتنا ونطور فريق عملنا وندربهم حتى نستطيع أن نتعامل مع هذا الكم الهائل بدقة وإتقان شديدين،
كذلك أنشأنا ما يسمى بمجلس أمناء الفتوى، ومجلس أمناء الفتوى فيه علماء تخرجوا من كلية الشريعة، وكثير منهم يحمل الدرجات العلمية التي تصل إلى الدكتوراه، ونجتمع أسبوعيا من أجل وضع قواعد للاختيار الفقهي، ووضع قواعد لفهم الواقع، ووضع قواعد تكون أخذت من العلوم الموروثة واستعمالها كمفاتيح تفيد المسلمين،
كما أن الدار تقوم أيضا باستقبال الجماهير شفويا وتنشئ اللجان لتلقي الجماهير،
وندرب الكوادر ليس فقط الجيل الثاني وليس فقط الجيل الثالث بل الجيل الرابع ولذلك نحن نحاول أن ننتقي من الطلبة الأكفاء الأقوياء من السنة الثانية أو الثالثة من أجل تدريبهم .. لا يتصدرون لفتوى بل يعلمون كيف تتم الفتوى ويكونون في المصنع من الداخل حتى تتم التربية، ولا يتقدمون إلى الفتوى إلا بعد اختبارات شديدة وبعد مرافقة طويلة للمشايخ الكبار الذين لديهم الخبرة ولديهم المعرفة بعد كل هذا.
تقوم دار الإفتاء المصرية بعملية تدريب، وهذا التدريب يقع على مستويات:
المستوى الأول: هو تدريب أمناء الفتوى أنفسهم حتى لا يتحول حالهم إلى روتين وإلى أنهم يكررون أنفسهم، وهذا عن طريق التكاليف بالأبحاث، وعن طريق الجلسات العلمية والمذاكرة، وعن طريق إمدادهم بالمراجع، وعن طريق تطوير كفاءتهم في كيفية الدخول على النت والكمبيوتر واستعماله وكذا إلى آخره.
المستوى الثانى: لدينا تدريب آخر للوافدين؛ فنأخذ كل سنة ثمانين منهم من أندونيسيا ومن أفريقيا ومن كافة أرجاء الأرض، ونحاول أن نعلمهم مرة أخرى كيفية النطق بالعربية نطقا صحيحا وإن كانوا قد تخرجوا ولكن النطق قد يكون فيه مشكلة، كذلك كيف يفهمون وندربهم لمدة ثلاث سنوات؛ سنتان دارسة وسنة تدريب، وفي هذا أيضا نحن متشددون جدا في اختيار الكفاءات العالية التي لا نسمح بأقل منها في هذه العملية،
وهذا في وجهة نظري أنه سوف يحاصر الفكر المتطرف وسوف يقضي عليه نهائيا.
المستوى الثالث: هو إعداد العلماء الأكثر نضجا، وتدريبهم على الإدارة وعلى السياسة وعلى تحليل المضمون وعلى فهم العصر ومقتضياته وعلى أن تكون العقلية عقلية واعية مدركة للواقع، وفي كل سنة نختار خمسة عشر ونجلس معهم عشر شهور يوميا من أجل تدريبهم وإعدادهم حتى من الناحية الإعلامية، ونحن فعلنا هذا 3 سنوات متتالية وأصبح عندنا خمسة وأربعون عالما دفعنا بكثير منهم إلى الإعلام وأثبتوا جدارة كبيرة وكفاءة عالية وأثرت فيهم هذه الدورات، وما زلنا على اتصال بهم لأن هذه مسألة مستمرة وليست مسألة مقطوعة بحيث إنهم يمثلون مدرسة متكاملة تزداد يوما بعد يوم ويمثلون أيضا روادًا للفكر الإسلامي الذي ينبغي أن يكون رائدا للجميع في عصرنا الحاضر .. يقرءون في الفلسفة .. يقرءون فيما بعد الحداثة .. يقرءون في العولمة .. يقرءون في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة .. يتدربون على الآلات والتقنيات الحديثة.. يأخذون دورات في أماكن مختلفة وفي مستويات مختلفة في اللغة الإنجليزية وهكذا .. حتى يتم اتصالهم المناسب بالعصر وإعداد جيل يملأ الساحة،
ولا أقول إنه يملأ الفراغ لأنه والحمد لله هناك كثير جدا قائمون بواجبهم، وإنما هو طبيعة الحياة التي تتطلب دوما مزيدا من التطوير، ومزيدا من الإتقان، ومزيدا من العلم {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114]. وهذا المفهوم هو الذي يسيطر علينا .. ليس المفهوم أننا نأت بشيء لم يأت به الأوائل ولا الأواخر إنما نأتي بشيء قد كلفنا به من استمرار العلم.
وأدم للعلم مذاكرة فحياة العلم مذاكرة
أيضا تقوم دار الإفتاء المصرية بإصدار مجلة أربع مرات في السنة تنشر فيها الأبحاث ونتاج الفقهاء من جامعة الأزهر فهم أهل الاختصاص وأهل المعرفة، وهي مجلة محكمة
وتنشر أيضا دار الإفتاء المصرية نشرة شهرية تلخص فيها أحداث الشهر وتحاول أن تصل بها إلى الإعلاميين أو إلى أساتذة الجامعة وغيرهم من ذوي الرأي، وهي نشرة نطلق عليها "غير دورية "لأنها نشرة داخلية تنشر فيها الأبحاث والأخبار والتوضيحات التي قد تكون قد لُبِّسَت من عدم القدرة على القراءة الصحيحة للفتوى في لغتها التي هي لغة أولا فصيحة ثانيا فيها مصطلحات قد لا يدركها القارئ وتسبب خطئا في الفهم،
كذلك هناك في دار الإفتاء المصرية أعددنا منذ سنة ونصف وسيتم المشروع في 2009 إن شاء الله تعالى -التعليم عن بعد، وهذا سوف يكون ثورة تكنولوجية بالنسبة للعلوم الشرعية المحملة التي تخاطب الشرق والغرب والتي تدرب الناس في بيوتها، ويجعل فكرة التدريب فكرة ليست داخل البلاد فقط أو إقليمية فقط بل سيجعلها كما يقولون (Global) أو عالمية في الـ (wide world) أو العالم المتسع،
وهذا سوف يؤثر في النظرة إلى المسلمين ويبين أيضا كيف يستغل المسلمون نتاج الحضارات المختلفة من أجل وضعهم في المكان الصحيح.
تقوم دار الإفتاء المصرية أيضا بالإضافة إلى ما ذكرنا بمهمة إصدار الكتب؛ فالحمد لله منذ 1975 بدأ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في تلخيص وإصدار الفتاوي حتى صدر 20 مجلدًا، ثم بعد ذلك أصدرت دار الإفتاء 3 مجلدات طبعتها في مطابع وزارة العدل فأصبح هناك 20 في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية و3 في دار الإفتاء ليكون عدد المجلدات 23 مجلدًا فيها نحو 5000 فتوى كل فتوى أُخذت واستنبطت منها القواعد التي بُنيت عليها، فهي ثروة كبيرة ثم حُمل كل هذا على (C.D) يباع مع بعض الترجمات في المجلس الأعلى، ودار الإفتاء الآن تقوم بتطوير هذا الـ C.D حتى يكون عالميا وحتى يدخل عليه الـ (key board) الأجنبي لأن الحالي لا يدخل عليه إلا الـ (key board) العربي.
وأيضا فإن الدار أعدت خلال الفترة السابقة المجلد 24، 25، 26 وهي جاهزة للطباعة بقواعدها على ما سار عليه السلف الصالح في هذه الدار المباركة.
قامت أيضا دار الإفتاء المصرية بتسليم كل مستنداتها للحفظ في دار الوثائق القومية وهو ما لاقى استحسانا عند المثقفين والمفكرين بأننا نحافظ على تراث الأمة وعلى أرشيفها في مكان أليق بهذا الحفظ، وحافظنا أيضا على الصورة التي أخذناها بالماسح الضوئي؛ عندنا نسخة وفي دار الكتب المصرية نسخة- حتى يتمكن الباحثون من الذهاب ومن التعامل معها- وفي البنك المركزي نسخة وأيضا حافظنا عليها بطريقة الـ (word).
ومما قدمناه بحمد الله وبتوفيقه وابتداء من 1/11/2007 استقلت دار الإفتاء عن وزارة العدل ماليا وإداريا واستطعنا أن نضع أولا لائحة داخلية واعتمدت ونُشِرَت في جريدة الوقائع المصرية، وكذلك اللائحة المالية ونشرت أيضا في الوقائع المصرية .
وكذلك استطعنا بحمد الله تعالى أن نضع هيكلا وظيفيا وتوصيفا وظيفيا لكل شخص في الدار، واستطعنا أن نستقل في موازنة مستقلة تظهر في ميزانية الدولة.
هذه النُقلة النوعية واستقلال دار الإفتاء ماليا وإداريا لا يعني عدم ارتباطها بوزارة العدل بل حتى يستمر المنصبان معا مفتي الديار المصرية ومفتي الحقانية وهو الأمر الذي جُمع مع محمد عبده وظل مجموعا إلى الآن لا نريد أن نلغي مفتي الحقانية لأن مفتي الحقانية يفتي في الإعدام، ويكون مستشارا للقاضي فيما يعرض إليه، وهذا هو الذي يتم فعلا، ولذلك لا نريد أن نحرم البلاد والعباد من هذه المشورة أو من هذه الطريقة التي أثبت الزمن نجاحها، ولذلك فإبقاءً لمنصبيّ مفتي الديار المصرية مضافا إليه مفتي العدل، وهي الحقيقة -إضافة إلى هذا- فإننا أبقينا على المنصبين بارتباطنا بوزارة العدل واستقلالنا ماليا وإداريا.
وهذا أيضا يرد على بعض المتكلمين أن المفتي ليس له أن يفتي بل هو مفتي الحقانية ! هذا كلام مضحك ومتناقض في ذاته لأن قيام المعنى بالمشتق يؤذن بعلِّية ما منه الاشتقاق، وهذه القاعدة يبدو أنها تحتاج إلى شرح فكلمة مفتي فلا يفتي: فيها تناقض؛ لأن مفتي معناها أنه يُفتي، وعِلة تسمية "المفتي" هي أنه يفتي فكيف نسحب العلة ونبقي الاسم والعلة تدور وجودا وعدما مع معلولها..!
إذن..؛ هيا بنا نترك هذه الانطباعات أو هذه الآراء العجيبة ونعلم هذه الحقائق من أن هناك منصبين وليس منصبا واحدا، وأن مفتي الجمهورية الذي يصدر به قرار جمهوري من الحاكم، ومنذ الشيخ محمد خاطر أو أواخر الشيخ محمد هريدي أصبح بدرجة وزير ..
فمفتي الجمهورية هو بدرجة وزير في الدولة وهي درجة لها خصائص معينة معروفة في التنمية والتخطيط وفي البروتوكولات وكذا إلى آخره، ولكن القضية هنا هو اهتمام الدولة بهذه المهمة واهتمام الدولة بأن تستمر هذه المهمة لأدائها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وكل ذلك بعد أدائها الديني الذي شَرُفَت به مصر وَشَرَّفَت مصر بأدائها الرائع مع هؤلاء النجوم .. نجوم السماء ونجوم الشريعة الذين أدوا ما عليهم.
دار الإفتاء المصرية أصبح الآن عندها مكتبة دخلت كلها على الكمبيوتر وهي تنمو يوما بعد يوم، يتسع كل بند من كل هذه البنود سواء بند المجلة، بند النشرة، بند الموقع، بند (call center)، بند التعليم عن بعد، بند لجنة الإفتاء، بند الأمناء، بند التدريب ..كل شيء من هذا يتسع كل يوم لأن النظام قد وضع، وعندما نضع نظاما ونستطيع أن نستمر فيه فإننا بذلك نصل إلى ما نتمناه جميعا من نجاح هذه المؤسسات.
[1] - الخديوي: لقب ولاة مصر التابعين للدولة العثمانية، والوالي العثماني هو محمد إبراهيم باشا، سافر لتلقي مرسوم الولاية.
[2] - : مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان: ويحتوي على 941 مادة، وهو خاص بالمعاملات المالية، وقد طبع الكتاب سنة (1307 هـ = 1890م)- العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف: ويحتوي على 646 مادة، وهو خاص بالوقف، وقد طبع سنة (1311 هـ = 1893م ).- الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: ويحتوي على 647 مادة.
No comments:
Post a Comment