Showing posts with label مقالات الشيخ /سلمان بن فهد العودة. Show all posts
Showing posts with label مقالات الشيخ /سلمان بن فهد العودة. Show all posts

Saturday, November 21, 2009

الجدال الأحسن

قد حفظنا في الكتب المطبوعة والمترجمة المتداولة أن كثيراً من عقلاء العالم كانوا يلهجون بلسان الصدق والثناء على الدين الإسلامي الحنيف، وعلى نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد عرفنا ذلك في أيام ماضية، لكننا نجد اليوم بدلاً من هذه الأصوات العاقلة -التي كانت حاضرة في الصحف والكتب في السابق - حقداً دفينا يُنفث عبر قنوات فضائية باسم العلم وحرية التعبير، ونجد مواقع إلكترونية بالآلاف خُصصت للنيل من الإسلام، ومن رسوله عليه الصلاة والسلام، أو غرف البالتوك المتخصصة لاستقبال الذين يسبون شخص محمد صلى الله عليه وسلم لتبلغ حد ابتزاز المسلمين.

ذًا هناك هجمة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن المحاكاة الساخرة للقرآن، وقد وجدت في كلام بعض الذين لا أشك أنهم من العرب مقالات مثل ما يسمونه سورة التكوين وسورة التصوير وغير ذلك يحاكون فيها القرآن بطريقة ساخرة، إضافة إلى ما يسمى بكتاب الفرقان المزور الذي طبع في أمريكا، والهدف من ورائه هو النيل من القرآن الكريم ومعارضته.

فهناك هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين في هذه المرحلة، وبعدما أطلقت أمريكا ما يسمى بعودة الحروب على الإرهاب، وتكلم متكلمهم عما سماه بعودة الحروب الصليبية يبدو أن كثيرًا من النفوس المريضة تحركت وجاشت مشاعرها المبغضة للإسلام فأصبح هناك هجوم على الإسلام وتنصير للمسلمين، فهناك حركة تنصير قوية جدًّا في الجزائر وموريتانيا وبلاد مغربية أخرى عبر الفضائيات والإنترنت. وهناك محاولة لاستغلال ظروف الشباب المسلم من الفقر والبطالة والمرض والأمية ونقلهم إلى البلاد التي تكثر فيها المعاهد والكليات التنصيرية ومحاولة تنصير هؤلاء المسلمين.

وأود أن أشير إلى نقطة مهمة هنا، وهي أن أثر هذه الجهود محدودة جداً في نقل المسلمين إلى النصرانية، فلا تكاد تجد مسلماً يتنصر إلا نادراً، وإن كانت تثير بعض الشبهات والشكوك، وكل ما يمكن أن يقال في كثير من حالات التنصر النادرة خصوصاً في المناطق الإسلامية التي فيها معرفة وتشبع بالإسلام أنها حالات نفسية، كفتاة لديها اكتئاب أو انفصام في الشخصية، أو تبرم من وضع معين فيبدو لها أنها خرجت من دين الإسلام، وعندما تناقشها يتبين لك أنها إنسانة مؤمنة، وقد تكون مصلية وقارئة للقرآن، لكنها تعاني من مشاكل نفسية ربما تكون حادة، أو وضع اجتماعي أو أسري سيء، إلا أننا يجب أن لا نستهين بالجهود المبذولة لتحويل هؤلاء المسلمين إلى الديانة النصرانية.

وكثير من المنصرين يستغل جهل بعض المسلمين ليبث فيهم الشكوك، وكثير من هذه الأشياء التي تثار حول الدين الإسلامي وحول رسوله صلى الله عليه وسلم قد تبدو ساذجةً وبسيطة، لكن لا ننسى أنه عندما يتحدث رجل مثلاً بلهجة محلية سهلة، ويتظاهر بأنه عفيف اللسان حتى إنه يخجل من الكلمات المؤذية، ويتردد قبل أن يذكرها فهو يقوم بعملية تمثيلية قد تنطلي على كثير من السذج، وهنا يجب أن يكون هناك مجموعة من المتخصصين المسلمين وباللغة العربية من يكون همه الرد على مثل هذه الأشياء ومناقشتها وتفنيدها.

وهناك شبه قديمة جديدة إلا أن العناية بتفنيدها والاهتمام بها شيء ضروري {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}.

ومن تلك الشبه: دموية الإسلام ودموية نبيه، والسؤال البسيط على وجه المثال: كم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بيده الطاهرة من إنسان طيلة حياته؟

الجواب: شخص واحد فقط، هو أُبَيُّ بن خلف، ولم يمت في ساعته.

وكم عدد الذين قتلوا من الناس في معارك النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب: لا يتجاوزون 260 رجلاً من غير المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على حقن الدماء، حتى إن أعظم الإنجازات التي قام بها وتمت على يده لم يكن السيف سبيلها، مثل دخول المدينة، وتكوين الدولة، والدعوة فيها، وبيعة العقبة، وكل البيعات، وائتلاف المهاجرين والأنصار، وإقامة عاصمة الإسلام تمت بالدعوة والإقناع دون قتال مع وجود اليهود والوثنيين والمنافقين، وفتح مكة، وصلح الحديبية الذي سماه الله عز وجل: {فتحاً مبيناً}، وغير ذلك، ولينظر الناس إلى ذلك بتجرد وليقارنوا بين الدماء التي تراق وتسفك في طول العالم وعرضه منذ مئات السنين ليعلم أيهم أشد قتلاً ودموية.

ويقولون بأن الإسلام يحض على الكراهية، ولقد علم الناس أن نصوص القرآن والسنة صريحة ومحكمة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم واضح في تسامحه حتى مع الخصوم والأعداء المعارضين، فعندما جيء بجنازة يهودي -كما في الصحيحين- قام لها صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسا؟!»، فيربي النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه على احترام الجنس الإنساني، ولا غرابة في هذا مع قول الله عز وجل: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، وتجد في خطاب القرآن: {يا أيها الناس..}، {يا أيها الإنسان..}، {يا أيها الذين آمنوا..}، وحتى في المدينة يأتي الخطاب القرآني بـ{يا أيها الناس}، خطاباً مباشراً بدون واسطة بهذا الخطاب الرباني المحفوظ اليوم؛ ليكون غاية ما يكون في احترام الجنس الإنساني والمحافظة عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعود مريضاً يهودياً، وعندما هاجر إلى المدينة -كما في الصحيحين- فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود والمشركين، فسلم عليهم، ودعاهم إلى الله عز وجل، فبعضهم أغلظ عليه في الكلام، وتعامل معه بلغة قاسية، فقام بعضهم لينتقم ويدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثاروا حتى كادوا أن يقتتلوا، فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟

هل قال: هذه فرصتي لأن أؤجج الحرب فيما بينهم وأخلط الأوراق، وهذا غالباً يكون من حظ الطرف الأضعف، وهو الطرف الجديد؟

كلا، بل ما زال يسكنهم حتى هدؤوا، فقام بدور تهدئة ثائرة الفتنة والاختلاف والصراع الذي يمكن أن يحدث بينهم.

والذين يتحدثون عن الكراهية يعزلون آيات القتال عن سياقها، فهي في حالات الحرب ورد العدوان، وهل يقول عاقل بأن المعتدي يجب أن نستقبله بالورود والرياحين وهو يحمل الأسلحة الذكية والفتاكة والمختلفة؟!

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبق ما أمر به القرآن بجودة العلاقة مع الإنسان وإتقانها، وكذلك في حال الدعوة كان يعمل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي حال المجادلة فإنه يقوم بها بالتي هي أحسن، فالقرآن يقول: {وجادلهم بالتي هي أحسن}، وقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ليس فقط بالحسن، بل بالأحسن، ولو أردنا استغلال أي لفظ يتحدث عن القتال لوجدنا في الإنجيل مثلاً أشياء كثيرة، مثل ما يزعمون أن المسيح يقول: (أيما أحد منكم يأتيني وهو لم يبغض أباه وأمه وأخاه وأخته وزوجته بل ونفسه أيضاً فإنه لا يمكن أن يكون تلميذا لي)، ونحن نقطع قطعاً بأن الأنبياء لا يمكن أن يأتوا بمثل هذا الهدي، بل إنهم أتوا بصلة الأرحام، والإحسان إلى الوالدين والأقربين وعموم الناس، ومن هؤلاء الأنبياء عيسى عليه السلام، وأما قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم..}، فهذه الآية تنطبق انطباقاً واضح على المحاربين، وهذا لا شك فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب عمه أبا طالب مع شِرْكِه بنص القرآن، كما قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت}، وهي قد نزلت في أبي طالب.

ويتحدث بعض المثيرين للشبهات حول تدوين القرآن، ويا عجباً كيف يتحدث عن ذلك أصحاب ديانات لم يبدأ تدوين كتبهم إلا بعد عشرات السنين من موت أنبيائهم، أما القرآن فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان جبريل يدارسه القرآن كل سنة، وفي السنة التي قبض فيها دارسه القرآن مرتين، ليكون ذلك تأكيداً لاكتمال القرآن، وجمع الصحابة القرآن بعد سنة أو أقل من موت النبي صلى الله عليه وسلم.

أما ما يتعلق بتدوين الكتاب المقدس عند النصارى -والذي هو الإنجيل- نجد أربعة أناجيل أولها كتب بعد المسيح بستين سنة، وبعضاً بمائة وعشرين سنة، وهناك خلاف عند علماء اللاهوت عن اللغة التي كتبت بها الأناجيل، وعمن كتبها وترجمها، فضلاً عن المستوى الديني والأخلاقي الذي قام بهذا العمل، ثم كيف تم اختيار هذه الأناجيل؟

لقد اختيرت في مجمع (نيقيا) الذي عقد عام (325) للميلاد تقريباً، واختيرت بين أكثر من سبعين نسخة، حسبما يراه أولئك المجتمعون الذين ناصرتهم الدولة الرومانية فكانوا يعتنون بقضية أن يكون عيسى إلهًا في هذه الأناجيل، وتم استبعاد النصوص التي لا تقول بهذا المعنى، زد على ذلك أن هذه الأناجيل بطبيعة الحال ليست هي وحي السماء، وإنما فيها وحي وقصص وأخبار، وفيها كلام عن عيسى عليه الصلاة والسلام، فهي أشبه ما تكون بسيرة مجملة، وبناءً عليه أقول: إن ثمة فارقًا كبيرًا جدًّا بين هذه الطريقة في التدوين وبين الطريقة النبوية وطريقة الصحابة رضي الله عنهم في تدوين المصحف وحفظه وضبطه.

ويتحدث بعض أولئك عن السنة النبوية، فأقول بأن السنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها محفوظة، حتى إن العلماء من شدة حفظهم حفظوا الصحيح والضعيف، وميزوا بين ذلك، ورووا كل ذلك بالسند والأسماء الواضحة، حتى إن الشيخ سليمان الندوي يقول: إن علم الجرح والتعديل استوعب أكثر من (500) ألف راوٍ لا يعرف أسماءهم وقبائلهم فقط، بل حتى مستوى أدائهم وجودة حفظهم وتقواهم، ليعرف صحة الإسناد من ضعفه، أما ما يروى عن المسيح عليه السلام فلا يوجد لها أي سند إطلاقاً، بينما نحن لا يمكن أن نروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك في أمر قليل الأهمية إلا بالسند والرواة والتحديث.

أما مسألة يسوع وابن الرب فهذه أشياء لم ترد في الأناجيل الثلاثة، ولا توجد إشارة إلى ألوهية المسيح إلا في أنجيل يوحنا، وهذا الإنجيل يقول عنه محرر دائرة المعارف البريطانية: لا مرية في أنه كتاب مزور. وكذلك دائرة المعارف الفرنسية تقول: إن بحوث الديانات الحديثة قامت باستبعاد أن يكون هذا الإنجيل إنجيلًا حقيقيًّا كتب في وقته.

وكذلك صاحب كتاب قصة الحضارة "ديورانت" يقول: إن الصورة التي يرسمها هذا الإنجيل "يوحنا" لعيسى عليه الصلاة والسلام لا تتفق مع الصورة التي ترسم في الأناجيل الأخرى.

إن المسلم يعرف تحريف هذا الكتاب المقدس (الإنجيل) من القرآن الكريم الذي علمه الجدال الأحسن، والموعظة الحسنة، ليكون القرآن الكريم مهيمناً على الكتب السابقة، وناسخاً لها، ومعترفاً بقيمة الكتب السماوية الحقيقية، ومطرياً للأنبياء السابقين، ليكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتمهم، الذي أكمل الله به الدين، وزيّن به الأنبياء والمرسلين.

هموم ملتزمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً ..

من نعني بكلمة ملتزمة؟



إننا نعني بها تلك الفتاة التي آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم – نبياً ورسولاً، ورضيت منهج الله – تعالى – وشريعته ديناً ودرباً وطريقاً..

فلم ترض قوانين الشرق والغرب ولا تقاليدها، إنما رضيت أن تكون أسوتها وقدوتها هن النسوة المؤمنات الصالحات من أمهات المؤمنين ونساء الصحابة والتابعين، فليست هي تلك الفتاة التي أخذت الدين تقليداً عن آبائها وأجدادها وهي تشعر أنه عبء ثقيل تتمنى أن تلقيه عن كاهلها صباحاً أو مساءً.. كلا..

ولا تلك الفتاة التي أخذت من دينها بظاهره وغفلت عن باطنه وحقيقته، فإن الدين كله مظهر ومخبر وسلوك وعقيدة..

ولا ينبغي ولا يجوز للإنسان أن يفرط ببعض الكتاب { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } [البقرة: 85]

وهذه قصيدة للشاعر (العشماوي) في وصف بعض التناقض الموجود عند بعض البيئات وبعض النسوة:

هـــذي العيــون وذلك القـــــــد *** والشيح والريحــــان والند
مــن أيـــن جئت أ أنجبتك رؤى *** بيض فأنــت الزهر والــورد
قالــــت وفـي أجفانهـــا كحـــل *** يغري وفي كلماتــها جــد
عربيـــــة حريتــــي جعــــلــــت *** مني فتــاة مالهــــا نـــــد
أغشى بقاع الأرض ما سنحت*** لي فرصة بالنفس أعتــــد
عربية ! فســـألــت مسلمـــة؟ *** قالت نعم ولخالقي الحمد
فسألتها والحزن يـعصف بــــي ***والنــــار في قلبي لها وقــد
من أيـن هـذا الزي ما عـــرفت *** أرض الحجـــاز ولا رأت نـجد
هذا التبــــذل يــــا محدثتــــي *** سهم من الإلحـــاد مرتـــد
فتنمرت ثـــــم انثنــــت صلفــاً *** ولسانها لسبابهـــا عبـــد
قالت أنـــا بالنفــــس واثقـــــة ***حريتي دون الهـوى ســـــد
فأجبتها والنــــار تلفحــــنـــي *** أخشى بأن يتنــاثر العقــد
ضدان يا أختاه مـا اجتمعــــــا ***دين الهدى و الكفر والصـــد
والله مــــــــا أزرى بــــأمتنـــــا*** إلا ازدواج مــــالـــــه حـــــــد

****

ومصادر هذه المادة بعد كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذين بهما نسترشد ونستهدي في كل طرق الحياة، هي من رسائل الأخوات واستفساراتهن وكتاباتهن إلي.

فبدءاً من العنوان " هموم ملتزمة " وهو اقتراح من إحدى الأخوات، ومروراً بالموضوعات وانتهاء ببعض الأسئلة حرصت أن يكون كل ذلك مما عملته أيديهن.

تقول إحداهن في مطلع اقتراحها للموضوع:

إن الملتزمة بحاجة ماسة إلى من يأخذ بيدها ويطور لها التزامها، وبالذات مع شعورنا بأن هناك من الواعين من يعتقد أن تحجّب الفتاة وتركها لمشاهدة التلفاز، هو النقطة الأخيرة التي تقف عندها..

ليتهم يعلمون أن معظم الملتزمات يملكن كل شيء إلا الذكر والفهم السليم (هكذا تقول الأخت)، وإذا كنا نوافق أن كثيراً من الناس يظنون أن الالتزام ينتهي عند حد الحجاب، وترك مشاهدة التلفاز، مع أن الواقع أن المسلم والمسلمة لا يزالان في جهاد وترقب إلى الموت، تصديقاً لقول الله عز وجل: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }[الحجر: 99].

وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت: 69]

فالالتزام ليس مرحلة يتجاوزها الإنسان إلى غيرها.. أو قضية ينتهي عندها.. لا.. بل إن الالتزام هو محاولة مستمرة تـظل مع الفتى ومع الفتاة إلى الممات، حتى في ساعة الموت يجاهد الإنسان ويعبد ربه: { حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 99]

وما دام أن الروح في الجسد وما دام أن النفس يتردد فأمام الإنسان ألوان وألوان من المجاهدات والمصابرات والمدافعات يحتاج المرء أو المرأة إليها.. ولكننا لا نوافق تلك الأخت على أن معظم الملتزمات يملكن كل شيء إلا الذكر والفهم السليم فإن كثيراً من الأخوات الملتزمات يملكن بحمد الله قدراً جيداً من الفهم السليم والعقول الناضجة والمواهب القوية، نسأل الله تعالى لنا ولهن جميعا الثبات.

أما العناوين فهي كالتالي:

أولاً: المرأة والالتزام.
ثانياً: من صفات الداعية.
ثالثاً: من مشكلات الدعوة النسائية.
رابعاً: عقبات في الطريق.
خامساً: موضوعات وكتب.

***********


أولاً : المرأة و الالتزام:

المرأة بطبيعتها أكثر تأثراً بالخير والشر وبما يحيط بها من الرجل، ولذلك نعرف خطر استغلال أجهزة الزور المسماة بأجهزة الإعلام في التخريب، وتأثير تلك الأجهزة في عقلية المرأة ناجمة عن بقاء المرأة في المنـزل ووجود الفراغ الذي تعيشه جزءا من الوقت, فكثير من النساء تعكف عند هذا الجهاز، ومنه تتناول ثقافتها وعلمها بل وحتى معلوماتها عن دينها، من خلال بعض الأقوال والآراء والأطروحات والأمور التي تقدم لها.

وإن من الواجب أن يستخدم الدعاة الوسائل العلنية العامة في مخاطبة النساء كالشريط والكتاب والمحاضرة المتخصصة بل والمدرسة والجامعة, حتى أقول: والسوق وكل وسيلة متاحة مباحة، فإنه ينبغي أن يستخدمها الدعاة إلى الله تعالى في الوصول إلى عقول النساء وقلوبهن ومخاطبتهن بآيات الله – تعالى – والحكمة..

أيها الأحبة.. أيتها الأخوات.. إن رموز الوطنية والتحرر والثقافة في معظم البلاد العربية أمثال هدى شعراوي وأمينة السعيد ونوال السعداوي والقائمة المعروفة.. كن رموزاً في نظرهم يطبّل لها الإعلام، وتتكلم عنها الصحافة ويعتبرن رائدات في مجالهن، أما في بلادنا في هذه الجزيرة بالذات فلا تزال المستغربات في العقل والشعور موضوع ازدراء وسخرية من المجتمع بحمد الله تعالى.

فهن يكتبن في صحفنا بكل تأكيد ولكن على استحياء وبشيء من الغموض فإذا أرادت إحداهن نقد الدين عبرت بالطقوس والتقاليد البالية والسراب ومخلفات القرون السابقة، لكنها لا تستطيع أن تتكلم عن الدين هكذا صراحاً بواحاً.

وإذا أرادت نقد العلماء والدعاة عبرت بالمتطرفين وبالأصوليين ضيقي الأفق, أو أبعد في النجعة فعبرت بالكهانة والكهنة.

وهذا يبرز مسؤولية القادرات من أخواتنا وبناتنا في وجوب وجود قيادات نسائية مـعروفة على كافة المستويات، فلا بد أن تكون في المدرسات قيادة وفي نطاق (التعليم) قيادات، وعلى مستوى البلد قيادات بل وعلى مستوى الإقليم قيادات، وهذا وإن كان واجباً في كل بلاد الإسلام إلا أنه في هذا البلد أسهل وأيسر، فلا يزال الميدان مكشوفاً مفتوحاً لمن أراد.

والبعض من الإخوة يعتبون علي ويقولون: لماذا تحرض النساء على الاستمرار في الدراسة مثلاً أو على مواصلة العمل وخاصة من المتدينات؟

والجواب.. أقول لإخوتي وأخواتي.. إننا في مجتمع لا ننفرد نحن بصياغته وصناعته، بل هو مجتمع فيه صناع كثيرون (ذووا) عقول شتى ومذاهب مختلفة وآراء (متباينة)، بل ونظريات واتجاهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كما يقال..

فإذا توقفت الملتزمة عند حد معين فغيرها لا يتوقف، ومعنى ذلك أننا حين ننصح المتدينات بترك مجالات العمل والتأثير فإننا سمحنا لكل تلك الفئات والطبقات والاتجاهات التي لا تسمع لنا أصلاً بأن تنمو وتتوغل وتتغلغل في المجتمع، ووضعنا سداً منيعاً أمام العنصر الوحيد الذي يمكن أن يساهم بشكل جيد في ضبط المسيرة، أو يساهم في تحجيم الشر والفساد، ولا أعتقد أن ثمة خدمة يمكن أن نقدمها بالمجان للعلمانيين وأصحاب النوايا السيئة وصرعى الشهوات أعظم من هذه الخدمة، ألا وهي أن تخلو التجمعات النسائية بجامعاتها ودراساتها ومعاهدها وندواتها وأعمالها من الملتزمة التي ترفع راية الدين وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!

وأقل ما يمكن أن تقوم به تلك الملتزمة هي أن تشعر المجتمع بما يجري داخل تلك المجتمعات النسائية وما يكون وراء الكواليس ووراء الستار، إن العلماء والدعاة بل والعامة أحوج ما يكونون إلى من يقول لهم إنه يجري في أوساط النساء كيت وكيت، فأين دوركم وما مجالكم وأين هي أصواتكم؟

فإخبارهم بما يحصل ويحدث داخل تلك الأسوار هو أقل ما يمكن، ومع ذلك أعتقد أن زمن الشكوى المجردة قد انتهى أو كاد أن ينتهي (أي أن دور الخيريين والخيرات لا يجوز أبداً أن يتوقف عند مجرد رفع الشكاوى للجهات المختصة)، لأسباب أهمها:

أولاً: لو كان هناك إصرار من القمم على منع رياح التغيير والفساد لأحكموا غلق النوافذ، والمسؤولون الصغار دائماً وأبداً يتلمسون مواقف الكبار وردود فعلهم ومدى حزمهم أو تساهلهم، ولذلك يقال في النكت والطرائف، إذا أردت أن تعرف مدى قوة المسؤول في بلد، فانظر في سلوك البقال إذا صار بينك وبينه مشاجرة، فإذا قلت له إن فعلت وإلا رفعتك إلى مدير الشرطة أو إلى المحافظ أو إلى الأمير، فوجدته اضطرب وارتبك وخاف فاعرف أن هذا دليل القوة والعدل، وأن سيف الحق صارم، أما إذا قال لك: ارفع وافعل ما شئت، وأمامك هيئة الأمم المتحدة وأمامك وأمامك.. فاعلم أن الأمر دليل على التراخي..

ثانياً: ضغوط الناس لا يمكن إهمالها بحال من الأحوال، خاصة ونحن في عصر صار للجماهير فيه تأثير كبير، حيث أسقطوا زعماء كبار وهزوا عروشاً وحطموا أسواراً وحواجز، ولا زالت صورة العُزّل الذين يواجهون الدبابات بصدورهم في الاتحاد السوفيتي، بعدما قام الانقلاب الشيوعي الأخير الذي فشل، وهم يتدافعون في وجوه الدبابات بالآلاف بل بعشرات الآلاف، حتى استطاعوا وهم لا يملكون ولا حتى رصاصة واحدة، أن يقفوا في وجه ذلك الانقلاب ويفشلوه، لازالت هذه الصورة ماثلة للأذهان وقد رآها العالم كله حية على الهواء في شرقه وغربه.

فإذا كان المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعاً منقسماً وهذه حقيقة { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } [النمل: 45]، وهذا الانقسام إلى حق وباطل ومهتدٍ وضال ومؤمن وفاجر، وهو أمر لا خيار فيه ولا حل له، ولا يعني أن هناك سعياً إلى تمزيق المجتمع بل هو سعي إلى تسمية الأمور بأسمائها الحقيقية، ووضع الأمر في نصابه.

أقول، إذا كان المجتمع منقسماً - وهذه حقيقة - فينبغي أن يمارس الخيّرون كافة الوسائل لتحقيق قناعاتهم الشرعية، والشكوى وسيلة لا يمكن أن نهون منها أو من شأنها، ولكنها من أضعف الوسائل خاصة إذا لم يكن معها غيرها، لكن يستطيع الأخيار أن يمارسوا دورهم كغيرهم، وكما أن تلك الفتاة المنحرفة المشبعة بأفكار الغرب واتجاهاته استطاعت أن تصل إلى موقع التأثير والمسؤولية، وغيرت عقول بعض بناتنا وبعض فتياتنا وأثرت عليهن، فكذلك تستطيع الطيبة الصالحة المهتدية أن تكون في الموقع نفسه، وليس هناك حواجز بحمد الله تقف في وجهها، وإن وجد حواجز فالتغلب عليها ممكن و(الحاجة أم الاختراع)، والمؤمن الصادق لا يعدم حيلة توصله بإذن الله تعالى إلى ما يريد.

ثالثاً: الذي يجعلني أقول إن مجرد الشكوى لا يكفي، أنه من غير الممكن اليوم أن نقول للناس أغلقوا الجامعات أغلقوا المستشفيات.. أغلقوا المؤسسات النسائية، فهذا أمر غير مطلوب فلابد للناس من كل هذه الأمور وهي مؤسسات ارتبطت بحياة الناس الآن بدون شك، فلم يبق إلا أن يرسم لهذه المؤسسات والمدارس والمستشفيات الإطار الشرعي الصحيح، والشرع جاء بضبط كل شيء { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } [الإسراء: 12]، فلم يبق إلا أن تشجع الفاضلات على إدارتها، أو على الأقل على المساهمة فيها ومزاحمة الاتجاهات الأخرى غير المهتدية.


ثانياً : من صفات الداعية

وإذا كنا نتحدث عن الفتاة الملتزمة، فإنني أكاد أعتقد أن امرأةً أو رجلاً ملتزماً، لا يمكن أن نتصور أنه غير داعية في مثل هذه الظروف الواقعة الآن، لأن من الالتزام أن يدعو الإنسان إلى الله، ومعنى كون المرأة ملتزمة أي أنها مطيعة لربها, والله عز وجل يقول: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [التوبة: 71]؛ إذن فأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر هو جزء من التزامها وقيامها بأمر الله تعالى هو كذلك جزء منه، لأن الله تعالى يقول: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [آل عمران: 110]

ويقول: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [البقرة: 143]، إذن فقيامها بواجبها وقيامها بالدعوة إلى الله وقيامها بالإصلاح وقيامها بالأمر والنهي هو جزء من التزامها.

وقد أثبتت الأحداث والتجارب الكثيرة أن هذه الأمة رجالاً ونساءً لديها قدرة على قبول الحق، بل لديها رغبة في سماع الحق والتزامه.

إذن لا عذر لرجل منا أو امرأة أن يقول أنا ملتزم ولكنني غير داعية، أبداً كل ملتزم فهو داعية.. داعية بالفطرة.. لأن التزامه يعني أنه مطيع وأن الذي أمره بالصلاة هو الذي أمره بالدعوة وهو الذي أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمكن أن نفرق بين هذا وذاك بحال من الأحوال، ولذلك حديثي ينصب على الملتزمة الواعية الداعية باعتبار أنها هي المخاطبة أصلة بهذا الموضوع، ولا شك أن كل صفة نتصورها في الرجل الداعي هي أيضاً مطلوبة في المرأة..

الصفة الأولى: العلم بما تدعوا إليه، وهذا من الواجبات فلا يمكن أن تدعو إلى شيء وهي لا تعلم هل هو من الشرع أم ليس من الشرع هل هو من العادات أم من العبادات هل هو من الأمور الدينية أو من التقاليد الاجتماعية الموروثة مثلاً، والشرع واضح بحمد الله: إما آية محكمة أو سنة ماضية أو إجماع قائم، أو قول معروف مبني على اجتهاد صحيح واضح كالشمس.

فلا بد أن تعرف المرأة المسلمة الأمر الذي تدعو إليه بدليله بحيث إذا قال لها أحد لماذا وما الدليل استطاعت أن تجيب على ذلك.

الصفة الثانية: القدوة الحسنة، ومن قبل قال شعيب عليه السلام: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود: 88]، وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون له يا فلان: ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، قال: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه ».

إذن فمن الخطورة بمكان أن يتكلم الإنسان فيكذب ذلك بأفعاله.
يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً *** إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً *** والموبقات لعمري أنت جانيها


والكلام في الرجل والمرأة، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: « يؤتى بالرجل » لا يمنع والمرأة أيضاً، وإنما ذكر الرجل على سبيل التغليب، وإلا فالحكم واحد والطبيعة واحدة، وما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا بدليل يخرجها منه..

يـا أيهــــا الرجـــــل المعلــــم غيـــره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى*** كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانههــــا عـــن غيهــــــا *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيـم
وهناك يقبــــل إن وعظــــت ويقتـدى ***بالقول منـــك وينفع التعليم
لا تنـــه عن خلــــق وتأتـــي مثـلــــه ***عار عليك إذا فعلت عظيـــم


فالتربية والدعوة بالسلوك أحياناً أحسن من ألف محاضرة، وسلوك امرأة بين زميلاتها بحسن خلقها وأدبها ومظهرها ومخبرها وطيب حديثها والتزامها بشريعة ربها وصلاحها.. أفضل من كثير من الكلمات والمحاضرات، التي نبدأ فيها ونعيد ونردد الكلام، وقد لا يسمعه الكثيرون، فكثير من الأخوات تقول ليس لدي رغبة في أن أسمع الأشرطة الدينية، لكن لو وجدت أمامها نموذجاً حياً وصورة حية.. من فتاة ملتزمة متدينة فأعجبتها، فأعتقد أنها هنا لا تحتاج إلى أن تسمع شريطاً، والحق واضح ولا يحتاج إلى صعوبات في من يريده، فلا بد من القدوة الحسنة ولا بد من الأخت الداعية أن تكون قدوة حسنة في عبادتها وسلوكها ومخبرها وفي قلبها، وفي عقيدتها وأخلاقها وطيبتها، وفي مظهرها أيضاً، في شكلها وفي شعرها وفي ثيابها، وفي مشيتها وحركاتها وأعمالها وأقوالها وفي كل شيء.

وأضرب لك ولكِ مثلا على ذلك.. المرأة الداعية القدوة التي تظهر بمظهر لا يليق بمثلها، كأن تلبس مثلاً عباءة مطرزة أو تلبس كاباً مطرزاً، هو زينة في نفسه أو تضعه على كتفها أو تظهر زينتها للأجانب، أو تكون مولعة بمتابعة الموضات والتسريحات أولاً بأول، لا نقول أنه يجب عليها أن تسكت إذا كانت هكذا لا.. فهي مطالبة بالدعوة كما قلنا منذ قبل، ولكن أيضاً حين تدعو فإنها بهذا العمل الذي عملته سنت للأخريات سنة يقلدونها فيها، إما عن حسن ظن بأن هذا العمل الذي فعلته لا شيء فيه والدليل أن فلانة فعلته، أو سيقولون إن هذه المرأة لا تستحق أن يسمع لها لأنها تناقض قولها بفعلها.

فينبغي أن تتجنب الأخت الداعية بعض الأمور المشتبهة حماية لعرضها وحماية لدعوتها.

الصفة الثالثة: حسن الخلق والتواضع ولين الجانب، مما يحبب إليها الأخريات، ولعل غرس المحبة في نفوس المدعوات هو أول سبب لقبول الدعوة، والأسلوب شديد التأثير في قبول الدعوة أو ردها، ولا يجوز لنا أبداً أن نتجنى على الحق الذي نحمله، حين نقدمه للناس بالأسلوب الغليظ الجاف، بل يجب أن نعطف على الآخرين ونحتوي مشاعرهم، ونتلمس همومهم ونشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، ولا نستعلي عليهم أو نستكبر فما تواضع أحد لله تعالى إلا رفعه.

الصفة الرابعة: أن يكون عند الداعية قدر من اهتمامها بمظهرها.. لأنه قد يظن البعض أنني أدعو إلى أن تكون المرأة المتدينة الداعية، مبتذلة بعيدة عن الاهتمام بمظهرها، وهذا مرفوض، فالمظهر هو البوابة الرئيسية التي لا بد من عبورها إلى قلوب الأخريات، ومن الطبيعي أن تتحلى المرأة أو تبحث عن الثوب الجميل، والله تعالى قال: { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } [الزخرف: 18]، فكون الفتاة تنشأ منذ طفولتها في الحلية هذا أمر طبعي لا تلام عليه.

ومن الطبيعي أن تهتم المرأة بتسريح شعرها وأن تعتني بمظهرها والرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصى بذلك الرجل، فلما جاءه رجل أشعث الرأس أمره بأن يسرح شعره ويدهنه، ولما جاءه بعد ذلك قال: « هذا خير من أن يأتي أحدكم أشعث الرأس كأنه شيطان »، فالمرأة مع بنات جنسها من باب أولى..

نحن بطبيعة الحال لا نقبل أبدا أن تتبرج المرأة المسلمة بزينة، ولا أن تتطيب لخروجها من بيتها، لكن هذا لا يعني بحال التبذل أو أن تذهب إلى المجتمعات النسائية في أثواب ممتهنة، خاصة حين تكون داعية يشار إليها بالبنان.

الفتيات اليوم يعرضن عن الدعوة لأنهن يعتقدن أن معنى الالتزام هو أن تتخلى عن كل مظهر من مظاهر اهتمامها بنفسها وهي بالطبع لا تريد ذلك، وتقول كل شيء إلا اهتمامي بمظهري!

ومن قال أن الإسلام يحول بينها وبين ذلك؟

ولكن في حدود ما أباحه الله تعالى، فمظهر مباح وثوب ليس زينة في نفسه غير متطيبة فيه ولا تظهر به أمام الرجال.

الصفة الخامسة: الاعتدال في كل شيء ومن ذلك الاعتدال في مشاعرها بين الإفراط والتفريط، فنحن نجد مثلاً من بعض الأخوات من تكون جافة في عواطفها ومشاعرها، لا تتجاوب مع الآخرين ولا تبادلهم شعوراً بشعور، ووداً بود ومحبة بمحبة أو تبتسم في وجوههم، وترى أن جدية الدين والدعوة تتطلب قدراً من الصرامة والوضوح والقسمات الجادة، وهذا أمر بلا شك غير مقبول « وتبسمك في وجه أخيك صدقة » كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقول للمرأة أيضاً: وتبسمك في وجه أختك هي صدقة أيضاً فالحكم عام.

وبالمقابل هناك من النساء أو من الأخوات من تبالغ في المشاعر وتبالغ في إغراق الآخرين بمشاعر تصل أحياناً إلى حد الإفراط، فتجدين أن من الأخوات لا تصبر عن فلانة ساعة من نهار، فإذا ذهبت إلى بيتها بدأت تتصل بها بالهاتف وتكلمها الساعات الطوال، وربما خلت بها الأوقات الطويلة تبث إحداهما إلى الأخرى مشاعرها وهمومها وشجونها، بل ربما تغار إذا رأت أخرى تجالسها أو تحادثها، لأنها تريدها لنفسها فقط، وهذا نوع مما يسمى بـ"الإعجاب" في أوساط البنات، فضلاً عن قضية المحاكاة والتقليد أي أنها تقلدها في كل شيء في حركاتها وسكناتها، وفي طريقة كلامها ولباسها وحذائها وثيابها، وحركات يدها وفي كل شيء، ولا شك أن ذوبان شخصية البنت في أخرى ولو كانت داعية ضياع، لأن الله عز وجل خاطب كل إنسان بمفرده { إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً }[مريم: 93-95].

وقال سبحانه: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 7-10]

فينبغي أن تشعر المسلمة باستقلاليتها، وأنه لا يجوز أن تذوب في شخصية أخرى، فهي موقوفة بين يدي الله تعالى يوم القيامة بذاتها وبمفردها.

ثالثاً : من مشكلات الدعوة النسائية

هناك مشكلات كثيرة في مجال دعوة النساء أشير إلى شيء منها فمن هذه المشكلات:

أولاً: قلة عدد النساء الداعيات، وهذه القلة يعاني منها الكثيرون، ولذلك نجد هناك جهلاً كبيراً في أوساط الفتيات.. حتى في عالم المدن فضلاً عن القرى والأرياف والمناطق النائية.

والحل أمام هذه المشكلة يتمثل في أمور، أعرضها في اختصار: فمن الحلول:
الحل الأول: طلب المشاركة من الجميع بمعنى أن تحرص الأخت المسلمة على أن تشارك كل النساء في الدعوة إلى الله تعالى، كل الغيورات حتى مع وجود شيء من التقصير، فلا يشترط للدعوة أن تكون كاملاً، فالدعوة ليست نادياً للكملة، والكمال في البشر عزيز، وما من إنسان إلا وفيه نقص ولكن هذا النقص لا يمكن أن يحول بين الإنسان وبين قيامه بواجب الدعوة إلى الله تعالى، فأنت تدعو مثلاً إلى ما عملت بل حتى ما لم تعمله..

ويمكن أن تدعو إليه بطريقتك الخاصة.. فمثلاً الإنسان المقصر رجلاً أو امرأة يمكن أن يقول للناس: "الأمر الذي وقعت فيه وهو كيت وكيت، أعرف أنه خطأ وأستغفر الله تعالى منه وأتوب إليه، وقد يكون منكم من هو أقوى عزيمة مني، أو أصلب إرادة أو أصدق إيمانا أو أخلص لله عز وجل، فيستطيع أن ينجح هو فيما فشلت فيه أنا"، فتكون دللت على الخير ولك مثل أجر فاعله ولو كنت مقصراً فيه.

ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب *** فمن يعظ العاصين بعد محمد


ولذلك قال الأصوليون: "حق على من يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضاً"

يعني وقوع الإنسان في المعصية لا يسوغ له ترك النهي عنها أبداً، بل ينهى عن المعصية ولو كان واقعاً فيها ويأمر بالمعروف ولو كان تاركاً له، وإن كان الأكمل والأفضل والأدعى للقبول سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود: 88].

ولكن حتى مع التقصير يجب أن تجد الأخت الساعية الأخريات إلى المشاركة.. مثلاً الطالبات في المدارس.. يمكن أن تشارك الطالبة في كلمة أو توجيه أو إعداد بحث مصغر في أمور معينة تحدث بها بنات جنسها من خلال حلقة المسجد أو الدرس أو أي مناسبة أخرى، مع مراعاة وتعاهد هؤلاء النساء بالتوجيه, فكونها قامت أو تكلمت أو ألقت محاضرة أو كلمة أو بحث لا يعني أنها قد جاوزت القنطرة، وأصبحت داعية يطلب منها ولا يوجه إليها، بمعنى يطلب منها أن تأمر الناس ولا تؤمر هي.. كلا.. بل هو مطلوب أن تتعاهد.. ويحرص عليها وتنصح وتقرأ مشاعرها، وتوضع في موضعها الطبيعي فلا نبالغ في الثقة بها وإطلاق العنان لها بما قد يضر بها..

وقد سمعت واطلعت على كثير من الحالات أن الفتاة لما تكون في المرحلة الثانوية مثلاً ثم يسند إليها أمر الدعوة كله في المدرسة فتكون هي الداعية وهي المعلمة والمتكلمة والواعظة والمتحدثة، وتصبح الأنظار تتجه إليها والأصابع تشير إليها، والأخريات ينظرن إليها نظرة معينة يفقدها ذلك أحياناً نوعاً من القدرة على ضبط نفسها وعلى اتزانها ويكون له تأثير سلبي على نفسيتها وعلى اهتماماتها التربوية الأخرى، فربما تنسى نفسها أحياناً وربما تبالغ في بعض الأمور وربما تجتهد فلا تصيب، لأن الفترة والسن الذي تعيش فيه لا تجعلها قادرة على الاجتهاد في كل المسائل، بل ربما يشعر أهلها بشيء من التقصير، وقد اطلعت على حالات وصلت إلى حد أزمة نفسية!!

إذن يجب أن نفرق فلا نقول لا تتدخل الفتاة وهي في مثل هذا السن في الدعوة، فهذا لا ينبغي، ولا يصح أن نضع في يدها الأمر كله من الألف إلى الياء ونجعلها هي القائمة بالأمر قياماً كاملاً، بل ينبغي أن تكون في مجال التدريب والمساهمة والمشاركة مع أخريات، وأن نتعاهدها بالتوجيه والنصح ونقول: هنا أصبت وهنا كنت تحتاجين إلى أن تجتهدي في الأمر أكثر وهذا خطأ ينبغي تجنبه وهكذا.

الحل الثاني: الاتجاه نحو الجهود العامة.. فمثلاً.. مجموعة من الجلسات قد تشمل عشرين أو ثلاثين امرأة، لكن نرى المرأة الداعية تجلس في بيتها جلسة خاصة لخمس من جيرانها، خمس نساء فقط، ولو أنها أقامت محاضرة أو درساً عاماً أو أمسيةً لكان من الممكن أن تشمل مئات النساء، فيكون هذا الجهد المحدود الذي صرفته إلى خمس من الممكن أن تصرفه إلى خمسين أو إلى خمسمائة امرأة.. بطبيعة الحال نحن لا نقلل من أهمية الدروس والجلسات الخاصة.. لا, فهذه الدروس والجلسات الخاصة لها أهميتها.. فهي:

أولاً: تخاطب فئة من المجتمع.

ثانياً: ربما يوجد امرأة تقدر أن تقيم جلسة خاصة لخمس لكنها لا تستطيع أن تقيم محاضرة أو درساً عاماً.

ثالثاً : أن الجلسة الخاصة لخمس نساء أو عشر يمكن التحكم في وقتها وفي مكانها ولكن درس أو محاضرة قد يصعب قيامه.

لكن نقول متى أمكن أن تقوم المرأة بنشاط عام كمحاضرة أو درس عام أو ندوة فإن ذلك يكون أبلغ في التأثير وأوسع في المنطقة التي تخاطبها.

الحل الثالث: ضرورة التركيز من الجميع رجالاً ونساءً، على إعداد جيل من الداعيات الواعيات، ممن يحملن هم الإسلام وتنمية معاني الدعوة لديهن.. قد تكون زوجتك ممن تصلح لهذا فلا يجوز أن يكون زواجها نهاية المطاف، أختك.. قريبتك.. بنت أختك.. محرمك.. ينبغي أن تُعْنـَى?
أن تعدها داعية إلى الله تعالى، وكذلك النساء الداعيات من المدرسات ينبغي أن يعتنين بإعداد نوعيات من الفتيات وتهيئهن وتأهيلهن للقيام بهذه المهمة الصعبة، لأن واحدة من النساء يمكن أن تقوم عن عشر وكما قيل:

والناس ألف منهم كواحد **** وواحد كالألف إن أمر عنى


ولا نحتاج إلى تحريف في هذا البيت فقد حرفه قبلنا عبد الرحمن بن عقيل فقال:

والناس ألف منهم كواحدة *** وواحدة كالألف إن أمر عنى


وهذا صحيح، ربما امرأة غلبت الآلاف من الرجال، ومن يستطيع أن يأتي في عيار أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, أو خديجة, أو حفصة, أو زينب, أو أم سلمة, أو غيرهن من المؤمنات الأول، حتى كبار الرجال تتقاصر هممهم دونهن، ولا زال في هذه الأمة خير رجالاً ونساءً.

الحل الرابع: الاستفادة من النشاطات الرجالية، فلماذا نتصور أن نشاط المرأة ينبغي أن يكون محصوراً؟؟ فالنشاطات الرجالية كالدروس والمحاضرات والندوات معظم الكلام الذي يقال فيها يصلح للرجال ويصلح للنساء، وكما أسلفت: الشرع جاء للرجل والمرأة وخاطب الاثنين معاً، وما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل، ولا يلزم أن تكون المرأة مجتمعاً مستقلاً متكاملاً فقيهته منه أو داعيته منه ومفتيته منه.

والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا رجالاً فقط، قال الله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ } [الأنبياء: 7].

إذاً فالرسل كانوا رجالاً، ولا أريد أن أدخل في جدل عقيم هل بعث من النساء أحد؟..
فابن حزم له رأي وبعض الفقهاء لهم رأي، لكن الجمهور كما ذكر القرطبي وغيره أن الرسل كلهم كانوا من الرجال، ولم تبعث نبية قط فلنقف عند الآية: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ } [الأنبياء: 7].
وهؤلاء الرجال كانوا يخاطبون الرجال ويخاطبون النساء، ويدعون الجميع على حد سواء، إذاً لا مانع حفظاً للجهود أن تنضم النساء إلى مواكب المستمعين إلى الدروس والمحاضرات والمجهودات الرجالية، بطبيعة الحال على انفراد ومع التزامهن بأوامر الشرع في عدم التطيب إذا أرادت الخروج، وعدم لبس الثوب الذي يكون زينة في نفسه وستر نفسها وعدم الجهر بالقول، والاختلاط بالرجال إلى غير ذلك، لكنها تستفيد في مجالاتها الخاصة المنعزلة.. وهنا يأتي أيضاً دوركم أنتم يا أولياء الأمور، دور الأب، دور الزوج، دور الأخ في تسهيل المهمة وإعانة المرأة على بلوغ محلها الذي تريد.

ثانياً: من المشكلات في مجتمعات الدعوة النسائية، صعوبة التوفيق بين العمل والدعوة والشؤون المنـزلية، فأمام المرأة مثلاً العمل، الدراسة، التدريس.. وأمامها الدعوة، وأمامها أيضاً بعض الشؤون المنـزلية.. البيت والزوج والأولاد، إلى غير ذلك..

وهذه بلا شك معضلة حقيقية، ولا أتجاوز الحقيقة إذا قلت إنها أكبر مشكلة تواجه الداعيات، وعلى عتبتها تتحطم الكثير من الآمال والطموحات، فكم من فتاة تشتعل في قلبها جذوة الحماس إلى الدعوة إلى الله تعالى، وتعيش في مخيلتها الكثير من الأحلام والآمال والطموحات، فإذا تزوجت وواجهت الحياة العملية تبخرت تلك الآمال، وذابت تلك المشاعر ولم تعد تملك منها إلا الحسرات والأنات والآهات والزفرات والذكريات والله المستعان..

كثير ما تقول الفتيات.. كنت وكنت.. أصبح كثير من الأخوات (كنتية ً)، تستطيع أن تقول كنت وكنت، ولكن لا تستطيع أن تقول: أنا الآن أفعل كذا إلا في القليل.

ولا أزعم أيضا أنني أملك حلاً لهذه المعضلة، ولكني أحاول المشاركة في بعض الحلول فأول إضاءة في هذا الطريق:

الإضاءة الأولى: هي في ظل قول الله عز وجل: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } [الطلاق: 2-3]

يقول الله تعالى: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً }[الطلاق: 5]
ويقول الله تعالى:{ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الأنفال: 29]، فالتقوى هي أول حل، أن يتقى العبد ربه وتتقي الأمة ربها جل وعلا في نفسها، في زوجها، في وقتها, في عملها, في مسؤولياتها..

والتقوى ليست معنى غامضاً كما يتصور البعض.. لا.. يمكن أن نحدد التقوى في بعض النقاط والأمثلة فقط.

من التقوى أن تختصر الفتاة ثلاث ساعات تجلسها أمام المرآة وهي تعبث بالأصباغ وترسم وتمسح وتزين شعرها لتصبح هذه الثلاث ساعات نصف ساعة مثلاً.. أو ثلث ساعة دون تفريط في العناية بجمالها لزوجها الذي هو جزء من شخصيتها.

ومن التقوى أن تختصر الفتاة مكالمة هاتفية لمدة ساعتين مع زميلتها، في أحاديث لا جدوى من ورائها، لتكون هذه المكالمة ربع ساعة أو عشر دقائق في السؤال عن الحال والحلال والعيال.. وغير ذلك..

ومن التقوى أن تختصر الفتاة الوقت المخصص لصناعة الحلوى مثلاً، من ساعة ونصف إلى صناعة أمور جيدة جاهزة، لا يستغرق تحضيرها أحياناً نصف ساعة.

ومن التقوى أن تقتصد المؤمنة في نومها.
فالنوم من صلاة الفجر إلى الساعة العاشرة ضحى وبعد الظهر وقسط كافي من الليل، لا يسوغ, وهو من عادات الجاهلية، وامرؤ القيس لما كان يمدح معشوقته كان يقول: (نؤوم الضحى)، فيمدحها بكثرة نومها، لكن في الإسلام مضى عهد النوم وأصبح المؤمن مطالباً بأن يكون قسطه من النوم مجرد استعداد لاستئناف حياة من البذل والجهاد..

ولذلك في قصة أم زرع وهي في صحيح البخاري ومسلم أن اثنا عشر امرأة اجتمعن وتعاهدن وتعاقدن على أن لا يكتمن عن أخبار أزواجهن شيئاً، فكل واحدة قالت زوجي كذا, وقالت الثالثة زوجي: المشنق إن أنا أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.. إلى آخر القصة الطويلة التي لا شأن لنا بها الآن، لكن قالت الخامسة منهن: "زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد، و لا يسأل عما عهد"، فما معنى فهد؟ يقول ابن النباري: أن معنى قولها إذا دخل فهد معنى صار كالفهد، وهو حيوان كثير النوم، فهي تقول إذا دخل التف بفراشه وغفل عنها ونام نوماً طويلاً، أما إذا خرج فهو كالأسد على الناس، ولا يسأل عما عهد، يعنى أنه رجل فيه كرم وإعراض فهو لا يدقق في كل شيء ولا يسأل عن كل شيء، وقد كان العرب يمدحون الإنسان بمثل هذا الشيء، وما زال العرب أيضاً يمدحون الإنسان بقلة نومه واقتصاده في ذلك، تذكرون قول الهذلي الذي يقول:

فأتت به حوش الفؤاد مبطناً *** سهداً إذا ما نام ليل الهوجل


فكون الإنسان قليل النوم هذا مما يمدح به الرجل والمرأة، والاقتصاد في ذلك ممكن، فالعلماء في السابق كانوا يقولون إن القدر المعتدل من النوم ما بين ست إلى ثمان ساعات يومياً، وهذا الكلام ذكره جماعة من السابقين مع إجماع الأطباء اليوم عليه، أما الآن فقد ظهر أطباء معاصرون يقولون لا الأمر الغالب ست إلى ثمان ساعات لكن قد يكتفي الجسم بثلاث أو أربع ساعات أحياناً وقد يحتاج إلى أكثر من ثمان ساعات أحياناً أيضاً وهذا وذاك قليل لكنه موجود.

الإضاءة الثانية: هي قوله تعالى:{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } [النحل: 90], وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان لابن عمر وابن العاص: « إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً »، وفي رواية: « إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً »، والزور يحتمل أن يكون المقصود به الجوف يعنى نفسك لك عليها حق فينبغي أن تأكل بقدر ما تحتاج مثلاً..

وقيل إن المقصود بالزور: هم الزوار فلهم عليك حق أيضاً، ولا ينبغي أن تهملهم وتهجرهم، وتعرض عنهم، فآت كل ذي حق حقه، ولذلك سوء التوزيع سبب لضياع الثروة، و إذا كانت أغلى ثروة نملكها هي الوقت، فان سوء توزيع الوقت من أسباب الضياع، ولو أن الرجل والمرأة أفلحا في ضبط وقتهما وتوزيعه بطريقة معتدلة، لكسبا شيئاً كثيراً، فبعض الزوجات الداعيات مثلاً تشتكي من أن زوجها الملتزم لا يعطيها من وقته ما يكفيها، وهذا جاءني فيها شكاوى كثيرة، وأقول ولعلى لا أكون من هؤلاء، ليس أولئك بخياركم، كما أن من يقصرن في حقوق بيوتهن لسن من الخيار.

فكثير من النساء تشتكى من أن زوجها لا يعطيها من وقته ما يكفيها، وقد لا يأوي إلى البيت إلا متأخراً، وربما يأوي وهو متعب أو قلق أو متضايق، فهو لا يريد أن ينظر إلى زوجته، ولا أن يجلس معها، وإنما يريد أن يأوي إلى الفراش أو ينام ويخلو بهمومه.

أفليس من المناسب إذن.. إذا كان الأمر كذلك، أن تكون المرأة منشغلة بعض الوقت بشؤون بيتها، أو شؤون دعوتها أو أولادها، في ظل غياب زوجها، خاصة ونحن نعلم أن المرأة إذا كانت في البيت تنتظر الزوج، فهي تعد الساعات والدقائق عدّاً، فإذا جاء كانت قد استطالت غيبته واستبطأت مجيئه، لكن إذا كانت المرأة هي الأخرى مشغولة في أمور مفيدة نافعة في أمور دينها، فإن الوقت يمر عليها بغير ذلك، ومن العدل ترتيب الأولويات والمهمات، فالفرض مثلاً يقدم على النفل وربنا جل وعلا يقول في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: { وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه } ..

إذن
أولاً: الفرائض
ثانياً: النوافل.. وإن الله تعالى لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة كما قال أبو بكر رضي الله عنه في وصيته، فالفرض يقدم على النفل والضرورات تقدم على الحاجات، والحاجات تقدم على الأمور التكميلية التحسينية.
وهذا عند التعارض فليس من العدل أن تهمل المرأة زوجها وبيتها وأولادها بحجة أنها مشغولة بالدعوة، كما أنه ليس من العدل أن يهمل الرجل زوجه وبيته وأولاده بحجة أنه مشغول بالدعوة أيضاً، وليس من العدل أن تغفل المرأة الداعية عن عملها الوظيفي الذي تتقاضى عليه مرتباً من الأمة، أو تغفل عن عملها الدعوي الذي هي فيه على ثغرة من ثغور الإسلام، يخشى أن يؤتى الإسلام من قبلها..

ومن الحلول أن بإمكانها أن تسند بعض المهمات إلى آخرين، يتحملون معها المسؤولية وهي تقوم بدور التوجيه والإشراف، فإذا كثرت عليها الأعمال استطاعت أن توزع المهمات، فيمكن مثلاً أن يساعدها أحد في القيام على شؤون الأطفال خاصة ممن يوثق بعلمها ودينها وخلقها، أو أن يساعدها أحد في ترتيب بيتها أو في مهماتها الدعوية كما أسلفت.

أما الإضاءة الثالثة: فهي قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام: 162-163]

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن جابر ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه: « كل معروف صدقة », وكل: من ألفاظ العموم.

ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم عن جابر رضي الله عنه: « إن من المعروف أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء جارك »

ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطيالسي وأحمد والنسائي عن عمرو بن أمية الضمري: « كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم ».

والكلام للرجل والمرأة على حدٍ سواء.. بل في الحديث المتفق عليه الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « كل سلامى من الناس عليه صدقة »
يعني كل مفصل من المفاصل أو عضو من الأعضاء عليه صدقة ينبغي للإنسان أن يؤديها يومياً، « كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل على دابة فتحمله عليها أو ترفع له متاعه عليها صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، -ودل الطريق أي دلالة الإنسان - على الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ».

إذا الصدقات كثيرة جداً، ويمكن أن تكون من المرأة ودعوتها لزوجها سواء كان زوجها ملتزماً أو عادياً أو منحرفاً، فقيام الفتاة بالوقوف وراء زوجها وسد ثغرة البيت الذي هو الحصن الداخلي، هو جزء من مهمتها ومن دعوتها، وأيضا قيامها بتحويل زوجها من إنسان عادي همه الدنيا إلى إنسان داعية يشتعل في قلبه هم الإسلام، هذه دعوة، أو حتى قيامها بتغيير زوجها من زوج منحرف ضال مقصر في الصلاة أو مرتكب للحرام إلى إنسان صالح مستقيم هذا جزء من الدعوة، ويمكن أن يكون لها في ذلك دور كبير كما أنه يمكن أن يكون في أولادها، من تربية على الخير وتنشئة على الفضيلة وهذا جزء من دعوتها ومسؤوليتها، ونحن جميعاً نعرف ما هي الأجواء التي تربى فيها عبدالله بن الزبير أو عبدالله بن عمر أو عبدالله بن عمرو بن العاص، أو غيرهم من شباب الصحابة وأي نساء ربينهم..

وتدريس المرأة مثلاً في مدرستها لا يجوز أبداً أن يكون عملاً وظيفياً آلياً تقوم به، فنحن لا يهمنا أن تتخرج البنت وقد حفظت نصوص البلاغة مثلاً، أو عرفت المعادلات الرياضية أو أتقنت التفاعلات الكيميائية وهذا كله جزء من المقرر، ولا تثريب على المعلم في تدريسه والحرص عليه، ولكن كل هذه المواد ومواد اللغة ومواد الشريعة وكل ما يقدم للبنت وللرجل أيضاً، فإنه يهدف إلى أمر واحد فقط وهو بناء الإنسان الصالح رجلاً كان أو امرأة، بناء المتدين المستقيم الصالح، هذا هو الهدف ولا يجوز أبداً أن ننشغل بالوسيلة عن الهدف والغاية، فلم لا تخصص المعلمة من الحصة خمس إلى عشر دقائق للتوجيه، ولا أعني بالضرورة النصيحة المباشرة، التي قد تثقل أحياناً على النفوس، ولا أعني أيضاً أن هذه النصيحة هي سد للفراغ، حيث لا تكون المعلمة مثلاً قد أعدت الدرس إعداداً جيداً فتقدم نصيحة لملء الفراغ.. لا, ولكنها كلمة صادقة من قلب يحترق تتحسس بها قلوب الطالبات فتحرك إيمانهن وتساهم في توعيتهن وحل مشكلاتهن.
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: « الكلمة الطيبة صدقة »، فنريد أن توزع المدرسة من الصدقات على الطالبات.

والآن ما من بنت إلا وهي تدرس في المدرسة، فلو وجدنا في كل مدرسة معلمة ناصحة داعية مخلصة، معنى ذلك أننا استطعنا أن نوصل صوت الخير إلى كل فتاة وهذا مكسب عظيم جداً لو استفدنا منه.

كما أنه من الممكن أن تحرص المعلمة أيضا على إقامة الجسور والعلاقات الأخوية والودية مع زميلاتها المدرسات وطالباتها، وطالما سمعنا ثناء الجميع على معلمة لحسن خلقها وطيب معشرها, وطالما استطاعت معلمة واحدة أو مشرفة أو إدارية أن تقلب المدرسة كلها رأساً على عقب, وأعرف حالات استطاعت معلمة واحدة في مطلع حياتها الوظيفية أن تقلب القرية بأكملها, وتحول الفتيات فيها إلى صالحات متدينات.

وفي مجال عمل الداعية في بيتها أقترح بعض الاقتراحات السريعة.. فمن المقترحات:

1. أن تتوفر للمرأة مكتبة صغيرة للقراءة تختار فيها مجموعة من الكتب المناسبة يكون فيها كتب توجيهية
2. قصص
3. كتب وعظية فقهية كبيان أحكام الصلاة مثلاً
4. الأشياء التي يحتاج إليها في البيت
5. تعليم أمور العقيدة
6. وسوف نورد في نهاية هذا الدرس بعض الكتب المقترحة..
7. توفير مكتبة صوتية تحتوي على عدد طيب من الأشرطة الإسلامية المفيدة – أشرطة القرآن الكريم – أشرطة السنة النبوية – أشرطة الدروس والمحاضرات – أشرطة توجيهية
8. بيان بعض الأحكام التي يحتاج إليها أهل المنـزل
9. حتى بعض الأشرطة المفيدة الترفيهية في حدود المباح وما أباحه الشرع
10. وما أشبه ذلك مما يحتاج إليه في المنـزل ومما يستغني به الأطفال والصغار والكبار والأميون عن قضاء الوقت في القيل والقال والغيبة والنميمة أو مشاهدة التلفاز أو غير ذلك
11. عقد درس أو حلقة أسبوعية لأهل البيت تجتمع فيه النساء الكبار والصغار ومن المحارم ويتلقون فيه أشياء يسيرة
12. آية محكمة
13. سنة من سنن المصطفى – عليه الصلاة والسلام –
14. تدريب على عبادة من العبادات, تعليم عقيدة من العقائد
15. تربية
16. قصة
17. أنشودة
18. قصيدة
19. مسابقة إلى غير ذلك
20. تحسين العلاقة مع كافة أفراد المنـزل تمهيداً لدعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
21. فإن المرأة إذا كانت في البيت سواء كانت زوجة أو بنت إذا استطاعت أن تكون محبوبة عند الأم وعند الأب وعند إخوانها وعند أخواتها فإنها تستطيع أن تؤثر فيهم كثيراً
22. لكن إذا كانت الأمور على النقيض فأعتقد أنها كمن يضرب في حديد بارد
23. مراعاة كبار السن وصعوبة التأثير عليهم فكثيراً ما تشتكي الفتيات من امرأة كبيرة السن قد تكون أمها أو أم زوجها أو خالتها أو قريبتها وإن هؤلاء النسوة لا يقبلن التوجيه وإذا قيل لهن شيء قلن: كل شيء لديكم حرام
24. دينكم جديد
25. أنتم كذا أنتم كذا.. تشتكي كثير من النساء من مثل هذا.. فأقول.. ينبغي أن يراعى هذا بالنسبة للنساء كبيرات السن بأمور منها:
أن تتلطف في الدعوة.. ومنها أنها إن رأتهن على منكر، يمكن أن تصرفهن عنه أولاً، فإن رأت غيبة تحاول أن تطرح موضوع آخر بعيد فإذا استغلت النساء بهذا الموضوع الجديد عن موضوع الغيبة، بحثت الفتاة يوم من الأيام عن كتاب يكون فيه كلمة لأحد العلماء المعروفين كسماحة الشيخ (ابن باز) أو غيره، فيها تحذير من الغيبة أو النميمة أو بيان الحكم الشرعي الذي أخطأت فيه المرأة ثم تأتي المرأة تقول: أريد أن أقرأ عليكم هذه فتوى للشيخ (ابن باز).. يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.. وتقرأ، حينئذ لا تملك المرأة الكبيرة أن تقول: هذا دين جديد، بل تقول: سبحان الله – سبحان الله، العلم بحر وتقبل هذا الكلام لأنها عرفت أن هذا الرجل له ثقله وله كبره.

من الحلول أيضاً: مراعاة الحاجة إلى أسلوب ملائم في الدعوة، يتميز بالمرح والمؤانسة وتطيب القلوب و خواطر الآخرين، وتقديم النصيحة لهم بالود والمحبة، ويمكن أن يأتي هنا دور الهدية، فإنها تسل السخيمة كما جاء في الحديث وإن كان لا يصح.

رابعاً: عقبات في طريق الدعوة

هناك عقبات كثيرة تعترض الداعية كما يعترض الرجل الداعية عقبات أخرى كثيرة أيضاً.. فمن هذه العقبات:

العقبة الأولى: الشعور بالتقصير، (وهي عقبة من النفس)، وكثير من الأخوات الداعيات تشعر بأنها ليست على مستوى المسؤولية، وهذه في الحقيقة مكرمة وليست عقبة، المشكلة لو أن الفتاة تشعر بكمالها أو أهليتها التامة، ومعنى ذلك أنها لن تسعى إلى تكميل نفسها أو تلافي عيبها، ولن تقبل النصيحة من الآخرين لأنها ترى في نفسها الكفاية، أما شعورها بالنقص والتقصير، فهو مدعاة إلى أن تستفيد مما عند الآخرين وأن تقبل النصيحة، وينبغي أن تعلم الأخت الداعية إنه ما من إنسان صادق إلا ويشعر بهذا الشعور، ويقول لي الكثيرون من الأخوة الشباب لو تعرف حقيقة ما نحن عليه لعذرتنا وغيرت رأيك، ونحن لا نقول هذا على سبيل التواضع أو هضم النفس ولا نعتقد أن النقص الذي عندنا هو كنقص الذي عندك أو عند الآخرين، كلا بل نحن مقصرون إلى درجة لا تحتمل!

والغريب أن هذا الكلام يقوله كل إنسان عن نفسه ولو نطق أفضل الناس في هذا العصر لقال هذا الكلام بعينه، ولكنه يدور في قلبه وفي نفسه ويؤثر أن لا يقوله، لئلا يصدم الآخرين أو يثبط عزائمهم أو يفكك هممهم، وهذه طبيعة الإنسان أنه كلما زاد صلاحه كلما زاد شعوره بالتقصير، كلما عرف علماً جديداً ازداد معرفة بأنه جاهل كما قال الشاعر:

وكلما ازددت علما *** ازددت علما بجهلي


فكلما زاد فضل الإنسان زاد شعوره بالنقص، وكلما زاد جهله وبعده زاد شعوره بالكمال، وباختصار فإنه ما دامت الروح على الجسد فلن يكمل الإنسان، وكلما شعر بالتقصير وهضم النفس كان أقرب إلى الله تعالى وأبعد عن الكبر والغرور، وقد يبتلى الله تعالى العبد أو الأمة بنوع تقصير خفي لا يعلمه الناس، يحميه الله تعالى به من داء العجب فيجعله دائم الذل لله ودائم الانطراح والانكسار بين يديه عز وجل، فلا يمنعنك الشعور بالتقصير من الدعوة إلى الله، فإنها من أعظم العبادات التي يكمل بها الإنسان نفسه، وهي من أفضل القربات, ونفعها يتعدى إلى الأخريات، وهي أفضل من نوافل الصوم وأفضل من نوافل الصلاة: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت: 33].

ومن عقبات النفس أيضاً: التخوف والتهيب والإحجام من الدعوة والكلام أمام الأخريات وهذا لا يمكن أن يزول إلا بالتجربة والممارسة، ففي البداية يمكن أن تتعلم الفتاة ولو وسط مجموعة قليلة أن تلقي كلمة ولو كانت مكتوبة في ورقة، ثم مع مجموعة أكثر ثم تشارك في المسجد والدروس التي تقام في المدرسة ثم تبدأ بعد ذلك بإعداد العناصر ثم تلقي ما سوى ذلك من نفسها وبطريقة الارتجال.

ولا بد من التدرب وإلا سيظل الرجل وستظل المرأة تقول لا أستطيع، فلو بقي إنسان يتلقى طرق السباحة مثلاً عشر سنوات نظرياً ما استطاع أن يسبح، لكن لو نزل خمس دقائق في الماء وحاول أن يعوم، وخشي من الغرق ولكنه تغلب وهناك من يرشده ويؤيده ويساعده ويسدده فإنه يمكن أن يتعلم في خمس دقائق أو أقل من ذلك.

العقبة الثانية: هي عقبات من البيئة، فساد البيئة التي تعمل فيها المرأة سواء كانت هذه البيئة مدرسة أو مؤسسة أو مستشفى أو معهداً أو غير ذلك، فإن البيئة إذا كانت بيئة فاسدة تؤثر في نفسية المرأة وتضغط عليه ضغطاً شديداً، وأضرب لكم مثلاً رسالة جاءتني من إحدى الأخوات، تتكلم عن هذا الصرح العلماني المعروف: معهد الإدارة العامة، تقول:
" العاملات فيه من الفليبينيات غير المسلمات غالباً، أقسم بالله لك أن بعض الطالبات يجدن متعة في الحديث معهن بكل صراحة، حتى أنها تعمل لها ما يسمى بـ (الحلاوة) ويقمن بقص الشعر وكتابة الأشعار الغزلية وترجمتها، المسجد مترين في مترين، ممر تقطعه ستارة بسيطة جلست مرة أنصح بعض طالبات التمريض فكادوا يكونون علي لبداً ".

هو مثال صغير محدود فالمستشفيات مثلاً، فيها مضايقات من بعض الأطباء والممرضين والمراجعين، والجامعات وما فيها من الاختلاط، والحفلات المختلطة، ورجال يدرسون البنات مباشرة وبدون حجاب وليس عن طريق الدائرة التلفزيونية المغلقة، وقد تكون الدائرة التلفزيونية موجودة وتترك ليتكلم رجل مع النساء مباشرة، وأخذ توقيعاتهن بالموافقة على أن يدخل عليهن وجهاً لوجه، دكتور يشرف على رسالة طالبة وقد يلتقي بها على انفراد وفي غرفته الخاصة إلى آخر تلك المهازل التي ليس لها آخر.

وقبل أيام ثارت قضية قريبة منا هنا، في الكويت وقد تكلمت عنا الصحف بشكل مزعج للغاية، الدكاترة في كلية الطب يمنعون الطالبات المنتقبات من دخول الفصول ويا سبحان الله.. لماذا تمنعوهن من دخول الفصول؟

يقول: لأن الطالبة إذا كانت منتقبة، أي وضعت النقاب على وجهها فإن المريض قد يخاف ولا يكون مرتاحاً نفسياً فلا يساعد هذا على العلاج..! انظر كيف هي الحجج الواهية!
ألهذا الحد بلغت عنايتهم بالمرضى!

آخر يقول: أنا أقرأ التأثر على وجوه الطالبة ومن خلال رؤيتي لوجه الطالب أعرف هل فهم أو لا.. فكيف أقرأ هذا في وجه الطالبة وهي منتقبة؟
انظر كيف هي الحيل.. أوهى من بيت العنكبوت وأتفه من عقولهم، هذا الكلام السخيف الذي لا ينطلي على أحد يكتب في الصحف ويقال، وتصير قضية كبرى، وأنا أقول أيتها الأخوات: (إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض)، أي إذا كان هذا في جامعة الكويت وهي منا قاب قوسين أو أدنى فما الذي يؤمنك أن الدور عليك، فواجب على أصحاب الغيرة أن يتحركوا الآن في هذه القضية وفي غيرها، ويكون لهم مساهمة، وأقل ما نستطيع أن نفعله هو مخاطبة المسؤولين وولاة الأمر ومكاتبتهم.

أمر آخر تلك الصحف الكويتية التي تنشر مثل هذه المهاترات وقد سلطت سهامها وأسلطت سيوفها على رقاب الخيرين فما تركت لفظاً من ألفاظ السباب والشتام في قاموس اللغة بل وما ليس بقاموس اللغة، إلا وألصقته بهؤلاء الأخيار وتكلمت فيهم، وشتمتهم وسبتهم وعيرتهم، وقالت الكلام البذيء المفزع المقذع الذي لا يجوز أن يقال في مثل هذا المقام، ووالله قصاصات، لو جلست إلى الفجر أقرأها ما انتهت.. كلها هجاء للأخيار.. صحيح أن الأخيار فيهم أخطاء.. نحن لا نقول أنهم ملائكة، لكن إلى هذا الحد؟!.. ويهجوهم أناس لهم تاريخ معين وإلى يومك هذا!

فأقول: ما هو دورنا..؟ أقل ما نستطيع أن نفعله هو أن نوقف دخول هذه الجرائد إلى بلادنا، لأنها تشترى في أسواقنا هنا أكثر مما تشترى في أي مكان آخر، والواجب أن توقف أو تطالب بالكف عن أعراض الأخيار وأن تتكلم بعقل واعتدال ومنطق.. نحن لا نقول لا تنتقدوا الأخيار.. لا.. انتقد من شئت لكن بالحجة.. بالبرهان بالموضوعية.. بالتعقل.. بالمنطق.. بالكلام.. بالدليل

أما كونك تأتي بألفاظ الشتم والسب والتجريح بدون حجة، وإنما هو مجرد بذاءة وقلة أدب، فقلة الأدب لا يجوز أن نشتريها بأموالنا وأقول: أين الرجال، أقل دور يمكن أن يقام به هو منع دخول هذه الجرائد والمجلات إلى بلادنا، وإذا لم نفلح فأقل ما نستطيع أن نقول نحن لكل أفراد المجتمع بوجوب مقاطعة هذه الصحف والمجلات ومحاربتها، وشن حملة لا تتوقف عليها حتى تتوقف هي عن النيل من ديننا ومن كرامتنا ومقدساتنا ومن أخلاقنا ومن الرجال الصالحين.

ومن الحلول في ذلك مواصلة العلماء وطلاب العلم والدعاة الغيورين، بكل ما يحدث داخل تلك المجتمعات، إنها ليست أسراراً ولا خفايا، كيف وهي تنشر في بعض الصحف العالمية، أعني بعض ما يجري في مجتمعات النساء هنا، فإذا تحدثت طالبة مثلاً أو راسلت أحد الدعاة، حقق معها بحجة أنها نشرت أسرار الجامعة أو نشرت أسرار المستشفى.. كيف يحدث هذا، إننا يجب أن نطمئن جميعاً إلى الجو الذي تدرس فيه بناتنا وتتعلم فيه أخواتنا ومن حقنا جميعا أن نعرف.

مثلاً قبل أيام نشر في إحدى الجمعيات النسائية إعلان عن حفل غنائي سوف تحييه المغنية من جدة المدعوة بـ (دسكفري) وسوف يقام على شرف زوجة فلان، التذاكر بمائتين وخمسين إلى مائة ريال، والمكان هو المكان الفلاني والزمن هو الزمان الفلاني، وهذا إعلان يباع في كل مكان ويوزع في البقالات فهل هذا من الأسرار؟
حين يتنادى الغيورون لمقاومة هذا الفساد هذا ليس سراً..

وأقول من باب وضع الحق في نصابه قد وصلني ما وصل غيري من اعتذار تلك الجمعية عن هذا الحفل وأنه لن يقام، لكن ينبغي أن يعرف ماذا وراء هذا؟
هل فعلاً سيتوقف الحفل أم أنه سيقام سراً بطريقة معينة، ومن هو الذي كان وراء مثل ذلك الإعلان في جمعية نسائية خيرية في مكان ما؟!

من الحلول.. النزول للميدان مهما كانت التضحيات، فالهروب من هذه التضحيات هو عبارة عن هدية ثمينة كما أسلفت، نقدمها بالمجان للعلمانيين والمفسدين في الأرض، وأرى اجتهاداً ضرورة خوض هذه الميادين وتحمل الفتاة ما تلقاه في ذات الله عز وجل، إلا إن خشيت على نفسها الفتنة ورأت أنها تسير إليها فعلاً لضعف إيمانها، أو قوة الدوافع الغريزية لديها أو ما شابه ذلك فحينئذ فالسلامة لا يعدلها شيء.

ويجب أن تظل الدعوة هاجساً قوياً للأخت مع كل الأطراف، فلا تعين الشيطان على أخواتها الأخريات، فحتى تلك التي يبدو فيها شيء من الجفوة في حقها أو الصدود عنها أو سوء الأدب معها، يجب أن تتحمل منها وتتلطف معها وتضع في الاعتبار أنه من الممكن أن تهتدي، والله تعالى على شيء قدير { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } [القصص: 56]

من الحلول أيضاً: يجب على الدعاة والتجار والمخلصين أن يسعوا جاهدين إلى إقامة مؤسسات إسلامية أهلية نظيفة مستقلة، فلم يعد مستحيلاً إقامة مستشفى نسائي خاص، ولم يعد مستحيلاً إقامة أسواق نسائية خاصة بل هي موجودة بالفعل، ولم يعد مستحيلاً كذلك إقامة مدارس نسائية خاصة بل وليس من المستحيل إقامة جامعات أو جامعة على الأقل خاصة للنساء في هذا البلد وفي كل بلد، وأعتقد أن الظروف الاقتصادية والظروف العلمية والظروف الإسلامية مواتية لمثل هذه الأعمال، فقد طال تململ الناس من تلك الأوضاع الفاسدة في عدد من المؤسسات الصحية والتعليمية والإدارية دون أن يطرأ عليها أي تغيير..

ونحن لم يجعلنا الله – تعالى – بمنه وكرمه في دار هوان ولا مضيعة وها هي أمم الكفر الآن قد سعت في هذا المضمار، وقد رأيت بعيني جامعات تضم ألوف الطالبات في قلب أمريكا، ليس فيها طالب واحد على الإطلاق مع أن دينهم ليس هو الذي أملى عليهم ذلك، فهم غير متدينين حقيقة ولكنهم رأوا في ذلك مصلحة ما، أفليس هذا جديراً بنا؟

كما قرأت في عدد من الأخبار أن هناك فنادق في ألمانيا وغيرها مخصصة للنساء فقط!
ونجد في بعض البلاد العربية والإسلامية بدايات لذلك، فمثلاً سمعت أن في سوريا مستشفيات مخصصة للنساء، وهنا لا بد أن نشير إلى بعض البوادر وهي أن هناك بعض الجمعيات الخيرية وبعض الجهود الفردية كانت وراء إقامة مستشفيات ومستوصفات مخصصة للنساء، تحمي المرأة المسلمة من المشاكل والصعوبات والقضايا الصحية التي تواجهها المرأة عندما تذهب للتطبيب في المستشفيات العامة..

وهناك جهود غير عادية لمحاولة إثارة قضية التمريض في أوساط البنات، ودعوتهن إليها بكل وسيلة، وتمنيات كبيرة من قبل المسؤولين في الاكتفاء بالممرضات السعوديات كما يقولون.. وأقول إن هذا لن يكون أبداً إلا إذا أوجدنا البيئة الصالحة التي تستطيع الفتاة أن تجد فيها الحفاظ على دينها، وأخلاقها، وهي تقوم بتمريض النساء من بنات جنسها بعيداً عن ارتكاب الحرام، وبعيداً عن الاختلاط بالرجال، فإذا كنتم تريدون فعلاً من بناتنا وبنات المسلمين أن يدخلن معاهد التمريض والمعاهد الصحية، فيجب عليكم أولاً أن توجدوا البيئة الصالحة التي تطمئن الفتاة ويطمئن أهلها إلى أنها سوف تكون هناك في هذا المكان المأمون المضمون البعيد عما حرم الله، فحينئذ نعم..

أما أن يزج الرجل بابنته في مثل هذه البيئات التي لا يأمن الإنسان عليها، والتي يرى فيها من المنكرات الشيء العظيم، أعتقد أن هذا الشيء غير ممكن بحال من الأحوال، حتى غير المتدين لا يتقبل هذا لأن الفتاة التي صارت في مثل هذه الأوضاع، قد يعزف الرجل عن الزواج بها.
فحتى من الناحية المصلحية والناحية الدنيوية يكونون بعيدين عن مثل هذه الأمور..

العقبة الثالثة: من العقبات التي تواجهها المجتمعات الدعوية النسائية.. عدم التجاوب من الأخريات من النساء ورد بعضهن للدعوة، وبدءاً أقول هذه الأمة أمة مجربة، فلست أنت أول من دعا وإنما دعا قبلك كثيرون وكثيرات، فكان التجاوب كثيراً وكبيراً، و الكفار الآن يدخلون في دين الله أفواجاً، فمن باب أولى المسلمون يستجيبون لله والرسول إذا دعوا إلى ما يحييهم، وإذا أمروا ونهوا، فأما أسباب عدم التجاوب فإنها ترجع إلى بعض الأمور الآتية:

أولاً: ما يتعلق بالمدعوة نفسها فقد يكون السبب منها فعلاً، وذلك كأن تكون شديدة الانحراف، أو طال مكثها في الشر وأصبح أمر خروجها منه ليس بالأمر السهل، وأصبحت جذورها ضاربة في تربة الشر والفساد، أو صعوبة طابعها وعدم ليونتها أو لشيء فيها من العناد وصعوبة المراس، أو لفساد البيئة التي ترجع إليها كوجود قرينات سوء يدعونها إلى الشر والفساد، وهذا كله يمكن أن يعالج بالصبر وطول النفس والأناة وتكثيف الجهود، وربط هذه الفتاة ببيئة إسلامية جديدة تكون بديلاً عن البيئة الفاسدة التي هي فيها، وقد يكون عدم قبولها للدعوة هو كبر سنها كما أسلفت فيعالج بالوسائل المناسبة.

ثانياً: ومن الأسباب التي تعوق قبول الدعوة، ما يتعلق بالداعية نفسها وذلك كعدم استخدامها الأسلوب المناسب، أو عدم قدرتها على الوصول إلى قلوب الأخريات أو قسوتها أو شدة تركيزها على أخطاء الآخرين، وهذه مشكلة، كون الدعوة دائماً تركز على الأخطاء، أو شعور الأخريات بأن الداعية تمارس نوعاً من الأستاذية أو التسلط، مما يحرضهن على مخالفتها ومعاندتها، لأنهن يعتبرن عملها هذا مساً للكرامة أو جرحاً للكبرياء، والشيطان حاضر، فيؤجج في الفتاة مشاعر الكبرياء والعزة فترفض الدعوة ولا تقبل عليها.

والعلاج: هو أن تحرص الفتاة الداعية على استخدام أسلوب الالتماس والعرض والتلميح دون المواجهة والضرب في الوجه ما أمكن ذلك، وأن لا تشعر الأخريات بأنها مستعلية عليهن أو أنها فوقهن، أو أنها تشعر بالأستاذية أو التسلط عليهن.

ومن العلاج: العناية بشخصية المرأة عقيدة وثقافة وسلوكاً ومظهراً ومخبراً دون إهمال الأمور المهمة والأساسية بسبب الاشتغال بالقضايا المظهرية فحسب، إن 90 % من الأسئلة التي تصلني لا تكاد تتجاوز شعر الرأس إلا إلى أكمام اليدين أو حذاء القدمين!

حسناً.. أين عقيدة المرأة.. أين أخلاقها.. أين خوفها من ربها.. أين معرفتها بأحكام دينها.. أين معرفتها بعبادتها.. أين معرفتها بالصلاة بالصيام بالزكاة بالحج.. أين معرفتها بحقوق الآخرين عليها.. أين أين؟؟

كل هذه الأمور لا تكاد تجد عنها أسئلة، إنما تجد الأسئلة محصورة في موضوعات محددة جداً، وقد قلت هذا من خلال استقراء لعدد كبير من الأسئلة التي تصلني، نحن لا نهون من أمر شيء فالدين كله مهم.
ولما قيل للإمام مالك في مسألة.. هذا أمر صغير قال: ليس في الدين شيء صغير، الله تعالى يقول: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } [المزمل: 5].

فالدين كله كذلك لكن رحم الله امرئ وضع الشيء في موضعه وهذه من الحكمة، فمثلاً لماذا نهون من أمور العقيدة وأمور القلب، القلب الذي يقول فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام:
« في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله »، لماذا لا نعتني بالقلب؟ فصلاحه صلاح للظاهر.

من العلاج أيضاً: عدم تتبع الزلات والعثرات فما من إنسان إلا وعليه مآخذ وله زلات، وليس من الأسلوب التربوي أبداً التركيز على ملاحظة الزلات، فلقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يثني أحياناً ويمدح الإنسان الذي يستحق المدح بخصال الخير الموجودة فيه، وكتب المناقب في البخاري ومسلم وكل كتب السنة مليئة بمثل ذلك، فيثني على الإنسان بالخير الموجود فيه حتى ينمو هذا الخير ويكبر، وحتى يقتدي به الآخرون في ذلك.. لأن المدح.. مدح الإنسان بالخير الموجود فيه وليس بشرط أن تمدح الشخص ذاته، بل تمدح الفئات أو الأمة أو الطائفة بالخير الموجود فيهم، يدعوهم ذلك إلى المزيد من الخير وإلى محاولة التغلب على خصال النقص الموجودة لديهم، ولا يمنع هذا أن يلاحظ أن على الفتاة أحياناً شيئاً من النقص فتنصح به في رسالة أو حديث أخوي مباشر أو مكالمة هاتفية، لكن لا يكون هذا الأصل بل طارئ لمناسبة وجود خطأ معين.

ومن العلاج: عدم محاصرة المرأة المخطئة أو المقصرة أو المسارعة إلى اتهامها، فنحن لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا أن نشق عن صدورهم، وليس لنا إلا الظاهر، لسنا بمغفلين بكل تأكيد ولكن لا نطلق لخيالنا العنان في تصور فساد مستور أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذب وإن شاء غفر والله تعالى يقول: { رحمتي سبقت غضبي }.

أحياناً يتصور الإنسان فساداً ما ويغلب على ظنه أنه واقع، لكن لا داعي له طالما أنه أمر مستور لم يظهر لك، وليس عندك أدلة، فدع أمر الناس إلى الناس، وقد يتبين لك أن ما كنت تظنه خطأ وسوء الظن مشكلة تعذب قلب الإنسان نفسه، وقد تسبب أذى للآخرين.. وقد تحول بينه وبينهم في دعوتهم إلى الله تعالى، فمن ظهر منه شيء أخذناه به أما المستور فأمره إلى الله تعالى..

وبين اليقظة وسوء الظن خيط رفيع فبعض الناس عنده تغفيل والتغفيل مذموم، قد يرى الفساد ويتجاهله أو يتغافله وهذا لا يصح فينبغي أن يكون الإنسان يقظاً واعياً مدركاً وفي نفس الوقت يبعد سوء جانب.

خامساً / موضوعات وكتب:


أولاً: من الموضوعات التي من المناسب أن تطرح في مجالس النساء ودروسهن ما يلي:
الطهارة..
التوبة..
محبة الله تعالى .. محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم..
ثقافة الفتاة..
اللباس والزي الشرعي وشروطه..
نصائح للفتاة قبل الزواج..
الأخوة في الله ومعناها وفضلها وبيان متى تكون الأخوة دينية ومتى تكون الأخوة عواطف مذمومة..
آثار المعصية على الفرد وأثر المعصية على المجتمع..
التواضع وفضله موضوع الأمانة..
إصلاح القلوب.. أنواع القلوب أسباب صلاح القلب وأسباب فساده ..
أثر الإيمان باليوم الآخر على الفتاة ..
عذاب القبر ونعيمه.. أسباب النجاة من عذاب القبر..
أثر الإيمان بالقدر في حياة الإنسان وفي حياة المرأة ..
الأمانة..
دور الفتاة في إصلاح المجتمع.. دور الفتاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
صفات الآمر والناهي و صفات الداعية..
الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين..
واقع المرأة الغربية وأسبابه..
أسباب السعادة الزوجية ..
طرق تربية الأبناء ودور الأم في ذلك ..
سير ونماذج من حياة الصحابيات ..
أثر الأفلام والمسلسلات على الفتاة ..
وسائل أعداد الإسلام لإفساد المرأة ..
حقوق الآخرين: حقوق الوالدين.. حقوق الزوج - حقوق الأخوة - حقوق الأبناء - حقوق الأصدقاء.. حقوق الجيران..
أثر الجليس على الإنسان..
قراءة القرآن وفضله وآدابه..
موضوعات للمناسبات مثل:

الصيام - الحج الإجازات الصيفية - الأحداث المتجددة القريبة والبعيدة.. موضوع الأذكار والأدعية الشرعية.

ثانياً: عرض لبعض الكتب المفيدة المختارة :
تفسير ابن كثير - العقيدة الواسطية - كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب- زاد المعاد - فتاوى النساء لابن تيمية - التحفة العراقية لابن تيمية في أعمال القلوب - إغاثة اللهفان لابن القيم، رياض الصالحين للنووي - تهذيب سيرة ابن هشام - قبسات من الرسول - الشمائل المحمدية للترمذي ومختصره للشيخ الألباني - الفوائد لابن القيم - صيد الخاطر لابن الجوزي مع ثغرات فيه - تلبيس إبليس لابن الجوزي - حقوق النساء في الإسلام لرشيد رضا - معركة التقاليد لمحمد المقدم - المرأة المسلمة المعاصرة لأحمد البابطين - الموضة في التصور الإسلامي للزهراء فاطمة بنت عبد الله - كيف تخشعين في الصلاة لرقية المحارب - عمل المرأة في الميزان للدكتور البار - النساء الداعيات لتوفيق الواعي - رسائل إلى حواء لمحمد رشيد العويد - كلمات إلى حواء من الكتاب - دليل الطالبة المؤمنة لمحمد الخلف - سري وللنساء فقط للقطان - أفراح الروح لسيد قطب - مواقف نسائية مشرفة لنجيب العامر

المحتل.... المختل

قصة البريئة المغتصبة "عبير" جمدت الدموع في المآقي، فالأمر ليس مصيبة عابرة، ولكنه إعلان دائم بالنواح على مصير أمة تم اغتصابها، وآية النهاية لهذه الأمة أن تعجز عن الفعل الصحيح، فإما ألا تفعل شيئاً أو تفعل الخطأ، وقد عصم الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم من الاجتماع على الخطأ، سواء كان توقفاً عن العمل أو كان فعلاً لما لا تقتضيه الشريعة. وإذا وصلت الأمة إلى قاع الفشل والخيبة، فهذا مؤذن بإذن الله ببداية جديدة.

لا أقول هذا تعزية لنفوس آلمتها الجراح، ولكني أقرؤه سنة إلهية، وناموساً جارياً، وأرى مبادئه في الأرواح المؤمنة التي التهبت مشاعرها، والعقول الحية التي تتفتح للحياة، وتتطلع للإبداع، والألسنة الصادقة التي تتلو أعذب المواعيد، وإن كان صخب الباطل يحاول إفسادها أو تأجيلها، بيد أن قوارع الوعد الرباني تزجره {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء:18]، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81]، {قل جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سـبأ:49].. إنها السنن!



ونحن وإن كنا نشهد في مجريات الأحداث المتعلقة بالاستحواذ الأمريكي على العالم الإسلامي، والتحالف العقدي بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، نشهد بوادر وعد الله بكشف زيفهم ومخادعاتهم، وتعرية شعاراتهم بحرب الإرهاب، ونشر الحرية والديمقراطية والعدالة من خلال ما نطقت به ألسنتهم وأجهزة تصويرهم وهو لا يعدو أن يكون قمة الجبل الجليدي لسلسة من جرائم العنف والسطو والاغتصاب والسرقة، وإهانة المقدسات، والإطاحة بالقيم والأخلاق الإنسانية..



وما خفي أعظم..

والتاريخ لا يرحم..



وسيأتي اليوم الذي يحاكم فيه زعماء الإجرام في هذه الحلبة ويدانون، وأقول: "إن شاء الله" تحقيقاً لا تعليقاً، فهو آت لا محالة في هذه الدنيا، أما محاكم الآخرة فشيء مختلف، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]. وإن ميوعة القضاء الأمريكي أمام أحداث جسام كهذه الجرائم البشعة المتكررة في العراق، والتي لم تحاكمها الإدارة، وإنما حاكمتها أجهزة الإعلام الحرة الموفقة التي فضحتها، وأحرجت تجار الحرب الأمريكيين في تسترهم وصمتهم..



إن هذه الميوعة في مواجهة جرائم موثقة في العراق و غوانتانامو وأفغانستان، يقابلها قهر وإسراف في محاكمة مسلمين بتهم ملفقة أو زائفة أو ضعيفة، كما حدث للكثير من الطلبة السعوديين الذين حوكموا ويحاكمون هذه الأيام بغير عدالة، ومنهم أخونا الأستاذ حميدان التركي -فكّ الله أسره- والمسلمون قالوا ولازالوا: على الاحتلال الغاشم أن يرحل بغير انتظار، وإلا فليتحمل المزيد من الخسائر والفضائح، وقالوا ولازالوا: القصة لا تتعلق برحيل المحتل فحسب، بل بانكماش القبضة الأمريكية وتراجعها وانكفائها لصالح قوى جديدة!



وها هنا موطن العبرة...

فما هذه القوى الجديدة التي سنشهد حضورها؟



يتحدث العالم عن "التصيّن" كظاهرة اقتصادية أولاً، وسياسية ثانياً، وهو حديث له اعتباره، فالمسلمون مطالبون بتنويع العلاقة والانفتاح الجاد مع هذه القوى المؤثرة وفق مصالحهم الخاصة، فليس مطلوباً منا أن نتواصل مع الصين حتى نعوق تحالفها مع إيران؛ لأن هذا ما تريده أمريكا، بل نتواصل معها لننتفع بقدراتها التصنيعية والاقتصادية والعسكرية.



إن استفراد الأمريكان بالدور العالمي كان وبالاً على العالم، وعلى المسلمين خاصة، وهو لم يكن استفراداً تاماً، بقدر ما كان تهيئة وتحضيراً لبروز قوى جديدة تحفظ التوازن وهذه سنة الله، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة:251]، { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40].



وعلينا معشر المسلمين أن نستعد لمرحلة قادمة من التدافع بين قوى عالمية، وأن نحفظ للأمريكان مواقفهم من قضايانا العادلة، وعلى رأسها القضية الأم "فلسطين"، والانحياز السافر للإرهاب الإسرائيلي ضد الحق الإسلامي..

يجب أن تكون هذه إحدى المحددات الأساسية للسياسة الإسلامية القادمة.. ولا مناص لنا من ضرورة السعي الدائم في بناء الذات.. فليس صدفة أن نكون دائماً في موقع المظلوم المعتدى عليه، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [هود:101].



لن يكون العالم الإسلامي معذوراً أمام محكمة التاريخ، ثم أمام محكمة الآخرة حين يظل متخلفاً لا يملك إلا البكاء والعويل والصياح على حالات اغتصاب للأرض، وانتهاك للعرض، وسرقة مفضوحة للثروات باسم أنظمة التجارة العالمية..



لن يكون المسلمون معذورين؛ لأنهم يملكون أن يكونوا أفضل مما هم عليه بكثير، فلديهم الثروات الضخمة، والعقول المبدعة، والتجربة التاريخية، وكل شيء يمكن أن يباع ويشترى، الأسلحة، والأسرار العلمية، والخبرات البشرية، بل والمواقف..

فهل نردد مع المتشائمين:



لَقَد أَسمَعت لَو نادَيت حَيــــاً وَلَكن لا حَياةَ لِمَــن تُنادي

وَلَو ناراً نفخت بِها أَضاءَت وَلَكن أَنتَ تَنفخ في رَماد!



أو نلتقط خيط التفاؤل من لجة اليأس ونحدو:



سنصدع هذا الليل يوماً ونلتقــي مع الفجر يمحو كلّ داجٍ وغاسـق

ونمضي على الأيام عزما مجدداً ونبـلغ ما نرجوه رغم العوائـــــق

فيعلو بنا حق علونا بفضـلـــــــه على باطل رغم الظواهر زاهــــق

ونصنع بالإسلام دنيا كريمـــــــةً وننشر نور الله في كل شــــــارق



إن صرخات المعذبين في فلسطين، وأنين المقهورين في العراق هي دمدمة العقاب الرباني على الفاعلين المجرمين، ولن ينجو من هذا العقاب من يقدرون ويسمعون ثم يسكتون، وكأن الأمر لا يعنيهم، أو كأنهم لا يقدرون أن يصنعوا شيئاً!



لسنا نطلب المحال، ولا ننتظر المفاجآت بغير سياقها، بل نطلب الممكن المقدور عليه، وهو تكليف رباني، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].



نطلب تدخلاً عربياً جريئاً في العراق وفي فلسطين، وإن سخطت الإدارة الأمريكية والإدارة الإسرائيلية فهما في حالة احتلال، واختلال، ومصيرهم بإذن الله إلى زوال وإن كانوا لا يفقهون الأمثال، يقول الله جل جلاله: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ . وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ . وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم:44-47].

كلب ينهش عقولنا

تداولت المواقع والرسائل والدروس قصة التتري الذي سبّ -الرسول صلى الله عليه وسلم-، فهاج عليه كلب مربوط وخمشه، وخلصه الحاضرون منه بعد جهد جهيد، ثم عاد أخرى فنال من النبي- صلى الله عليه وسلم- فقطع الكلب رباطه ووثب على عنقه، وقلع زوره في الحال، ومات الرجل من فوره.

ومع كون القصة مروية في بعض المصادر التاريخية، إلا أنني أعتقد أن اختيارها من كم هائل من المرويات العادية وإبرازها وتصديقها ينم عن مأساة في العقل المسلم!
وقد ذكر الرواية ابن حجر في الدرر الكامنة (4/153) عن علي بن مرزوق، ولم يذكر عنه أكثر من أنه تعاطى التجارة، والظاهر أن القصة مرسلة، ليس لها إسناد، وعادة أصحاب الدواوين الكبيرة والتراجم الموسعة أنهم يذكرون ما في الباب بغض النظر عن صحته، ولم يذكر ابن حجر عن ذلك المترجم إلا هذه القصة فحسب، وكفى بذلك دليلاً على نكارتها وإغرابها.
هذا التصفيق الحاد لكلب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل، حتى يقول كثيرون: كلب ينتصر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف لا ننتصر له نحن؟، حتى الكلاب تغضب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الكلاب أشد منا حباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضيف آخرون قصة كلبٍ آخر فقيه في السنة (!!) ولكنه عقور مرّ به شاب ذاهب إلى الصلاة بالغلس فوقف الشاب، فقال له الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكرٍ وعمر!
الكلب أصبح داعية يسلم بسببه أربعون ألفاً في مجلس واحد !
وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرة لأمم الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ويعتذر معلقون بأن هذه مقامات أصحاب الهمم العالية وهم بعيدون عنها.
وحين يحتج معلق على هذه الأساطير؛ تنهال عليه الكلمات كاللكمات اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً!
وكأننا أمام نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به، وبين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب، وما أسهل أن ينبري إذاً عدو للإسلام يضع مثل هذه الحكايات وينشرها فيتلقفها الأغبياء والجهلة والأغرار، ويحامون عنها محاماتهم عن أصول الدين، ويجعلونها فيصلاً بينهم وبين مخالفيهم، فعنوان الإيمان عندهم هو أن يكون عقلك مغيباً مخدراً معزولاً عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تسلم بالغرائب والمنكرات من الأخبار!
ألم يتعرض -صلى الله عليه وسلم- للتكذيب ويُسأل الآيات، فيؤمر أن يقول: "سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ؟" [الإسراء: 93]
ألم يضعوا السلى على ظهره؟ ويشجوا وجهه ورأسه في المعركة، ويقتلوا أصحابه؟
وربما احتج بعضهم بالمعجزات والآيات والكرامات.
والآيات حق، وكذلك الكرامات، ولكنها أمر خارق للسنة، مخالف لجاري العادة، فلا يقبل ادعاء مدعيها حتى يقع التحقق التام منها، وإلا لالتبس الحق بالباطل، واشتبه الأدعياء بالصادقين والأنبياء، ولذا كان السلف يقولون: هاتوا أسانيدكم، وفي التنزيل: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ" [البقرة: 111].
ولذا كان الأئمة يقولون: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل.
وقد علمنا يقيناً أن الكلاب خارج دائرة التكليف، وهي لا تسمع إلا نداء، كما قال ربنا سبحانه: "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ"[البقرة:171].، وهي لا تعقل، فالعقل ميزة شرف الله بها الآدمي، وإن كان من الآدميين من يلغي هذه الموهبة أو يجور عليها أو يقتلها بالإهمال والتجاهل، أو يئدها بالاستسلام لكل مسموع، والتشرب لكل موضوع، والركض وراء الأوهام.
لقد جاء المشركون إلى الصديق يقولون له: ألم تسمع ما قال صاحبك؟
قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء في ليلة، قال-رضي الله عنه- : لئن كان قاله فقد صدق، ومن يومئذ سمي"الصديق".
الصديق إذاً هو من يصدق بالوحي النازل من السماء، وليس من تتراكم على عقله غرائب الأخبار من كل وضاع ودجال؛ فيتجرعها كالسم حتى ينبت عليها جسده، ويمضي عليها عمره، وتصبح أساساً في ثقافته ومعرفته، وتلتبس عنده معالم دينه!
إن هذا العقل الأسطوري الذي لا يميز بين حق وباطل هو المسؤول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين، وغياب التفكير السليم، وضعف التحليل الموضوعي، وتراكم الأخطاء والسلبيات دون علاج، وكيف لنا أن نصحح أو نخطط أن نبني حضارة أو نؤسس مجداً إذا كانت العقول فاسدة والبصائر كليلة، وطرائق التفكير والنظر متردية، لماذا نهادن تسلل الحكايات الوهمية إلى عقول العامة، بل عقول الشباب والطلاب والمتعلمين، الذين يظنون أحياناً أن التصديق أولى على سبيل الاحتياط، ولا يدرون أن التصديق بالباطل مثل التكذيب بالحق.
إن العقل الإسلامي عقل واع مدرك، حتى إيمانه بالغيب هو إيمان مبني على العلم والمعرفة والإسناد، وليس في الوحي ما تنكره العقول ولا ما تحيله السنن، ولكن منها ما لا تدركه العقول، فهو عالم فوق العقل وليس تحته، ونقص العقل ثابت بالعقل ذاته، بيد أن الله تعالى أحال إليه، وأمر بتحكيمه فيما يحسنه حينما دعاهم إلى الإيمان به "لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"، "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [يونس: 24]، "أَفَلا يَعْقِلُونَ" [يّـس:68]، "لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى"[طـه: 54]،"لِذِي حِجْرٍ"[الفجر: 5]،"ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا"[سـبأ:46]!
ومن أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل ، أو أن العلم نقيض الدين.
لا يحل للمصلحين والدعاة والمرشدين أن يهادنوا عقول البسطاء أو يداهنوها، نعم سيظل في الناس أوباش لا يعقلون، لكن الخطب الفادح أن تكون هذه هي الثقافة المهيمنة التي تضغط على عقول الناشئة، وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطاً بترهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية.
أمانة الديانة تحتم علينا أن نقدس الإيمان الحق المجرد، وأن نحذر من اللحوقيات والإضافات الأسطورية المتلبسة به، والله أعلم.
والأئمة قد يترخصون في إيراد حكايات بأسانيدها في مصنفاتهم لأن التبعة على الراوي، ويقولون: من أسند فقد سَلِم، خاصة وهي دواوين علمية متخصصة يتعاطاها الفقهاء والعارفون، أما أن تنشر مثل هذه الروايات وتذاع ويستكثر منها، فهو توهين لجانب التكليف، وإزراء بخصوصية الإنسان، وتسلط لأعداء الملة ، وقد وقفت مراراً على أقصوصات من هذا القبيل ينشرها الوعاظ غافلين، وإذا تتبعت مصدرها وجدتها من وضّاعين أو ساخرين، وقد روى أحدهم قصة الميت الذي نبش قبره فوجد مصروفاً عن القبلة، وبالسؤال عنه تبين أنه مدخن (!!) وتحريت بنفسي عن القصة فوجدتها من وضع عيّار مدخن.
لا يجوز أن يكون الإيمان بإمكان حدوث الكرامات سبباً في تمرير أي حكاية أو رواية من منطلق أنه يجوز أن تكون من الكرامات، فالكرامات لها أسبابها وطرق إثباتها، وليس يتعين في التكليف الشرعي إلا أن يؤمن المرء بما ثبت في الكتاب والسنة، أما تسارع الناس إلى تصديق الغرائب فهو من جهالات العامة وتسرعهم، وصدق الله إذ يقول: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" [الزمر:9].
جعلنا الله من العالمين ومن ذوي الألباب

الشيخ سلمان العودة:تنصير الفضائيات معظمه "تمثيليات" واهية

أكّد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة (الإسلام اليوم)ـ اليوم الجمعة على أن معظم عمليات التنصير التي تتم على شاشات الفضائيات مجرد "تمثيليات" واهية.

أكّد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة (الإسلام اليوم)ـ اليوم الجمعة على أن معظم عمليات التنصير التي تتم على شاشات الفضائيات مجرد "تمثيليات" واهية.
جاء ذلك تعقيباً على مداخلة من أحد المشاركين- في حلقة اليوم من برنامج (الحياة كلمة)، والذي يُذاع على قناة (mbc) الفضائية ـ يروي أن هناك قساً نصرانياً يقوم بالطعن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وعرضه وشرفه ونبوته، وأنه قام بتنصير أحد طلاب الشريعة في الجزائر على الهواء مباشرة.
وقال الشيخ سلمان: لا أعتقد أن شخصاً يدرس الشريعة يترك عقيدة التوحيد ليتجه إلى عقيدة التثليث التي هي فضيحة عند القساوسة أنفسهم، فهم يعترفون بأنها "فضيحة" في حقهم، مشيراً إلى أن الطفل الصغير يدرك أنه لا يجتمع أن يكون الواحد والثلاثة شيئاً واحداً في نفس الوقت.
وأضاف فضيلته أن هذا لا يعني عدم وجود عمليات تنصير على الإطلاق، وأدل شيء على ذلك تعميد البابا لأحد المتنصرين على الهواء مباشرة، مؤكداً أن هناك عمليات تنصير منتشرة في الجزائر والمغرب وموريتانيا واليمن، وبعض دول الخليج، خاصة بين القبائل التي لا تتحدث العربية.
وأوضح الدكتور العودة أن هناك جمعيات في الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بممارسة الضغوط على الحكومات العربية بشكل عام، والجزائرية والموريتانية بشكل خاص، بغية عدم سن قوانين تعاقب من يمارس عمليات التنصير، ومن يرتدون عن دينهم، أو تطبيق أي عقوبات بحقهم.
وتعقيباً على أن بعض المنصرين يقومون بمهاجمة النبي -صلى الله عليه وسلم- علانية، ويطعنون في نسبه وشرفه ونبوته ورسالته، أكد الشيخ سلمان أن هؤلاء "أوباش فاشلون لا وزن لهم ولا قيمة"، لافتاً النظر إلى أن الهجوم على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس وليد اليوم، وقد وصفه الكفار بالسحر والجنون وما هو أبعد.
وأضاف فضيلته أن مثل هذه الأعمال لن تضرّ الله شيئاً، ولن تضرّ الرسول شيئاً؛ لأن الله -عز وجل- رفع ذكر نبيه، قال تعالى: (ورفعنا لك ذكرك)، وقرن اسمه باسمه؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو المثل الأعلى في الأخلاق والصبر وحسن المعاملة والصدق والإخلاص والعفو والتسامح، وهو النبي الخاتم الذي جاء برسالة التوحيد والقرآن، والله جعل له الأتباع في كل مكان، وتكفّل بحفظ دينه وشريعته.


حياة مثالية!

ومن جانب آخر أكد الدكتور العودة – في حلقة اليوم الجمعة، والتي جاءت تحت عنوان: "المشكلات" – أنه لا يوجد حياة مثالية بدون مشكلات، وأن تصور الحياة بدون مشكلات أمر غير متوقع، كما أن بداية الحياة - حتى في الجنة – كان هناك محظور على سيدنا آدم -عليه السلام- ووقعت مشكلة، وحدثت أزمة، لكن الحياة استمرت، ولم تتوقف.
وأوضح فضيلته أنه بالربط بين قوله الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، وقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، يتضح أن الكبد هو أحسن تقويم، مشيراً إلى أنه من الخطأ أن نقف عند المشكلة دون أن نبحث في عمقها.


ظرف استثنائي


وفيما يتعلق بتعريف المشكلة، كشف الشيخ سلمان عن أن كثيراً من العلماء يرون أن تعريف المشكلة هو مشكلة في حد ذاتها، وأن المشكلة هي عبارة عن ظرف استثنائي أو غير عادي في السياق البشري أو الإنساني.
وقال فضيلته: إن الكثيرين يقولون إن المشكلات هي من أفضل وأحسن اللحظات والفرص لصناعة الإبداع؛ لأنها تشكل التحدي في حياة الإنسان، فإذا كنا نتحدث عن النجاح والفشل، فإن المشكلة هي عبارة عن معوّق في طريق النجاح أو تعليل للفشل، يصيب الحياة العائلية أو المشروع الاقتصادي أو السياسي.


أزمة وفرصة


والمشكلة ـ كما يرى فضيلة الشيخ سلمان ـ هي فرصة إذا أُحسن استخدامها، كما قال الصينيون قديماً: "كل أزمة فهي فرصة"، ومن قبل قال الإمام أبو حنيفة النعمان: "ما عُرضت عليّ معضلة إلاّ ووجدت حلّها فيها".
ويُروى أن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان – وهما من دهاة العرب- كانا يتحدثان، فقال معاوية لعمرو: "ما دخلت في ورطة أو مشكلة إلاّ وأحسنت الخروج منها"، فقال عمرو: "وأنا لم أدخل في مشكلة أو ورطة أصلاً حتى أحتاج للخروج منها". وهذا نوع من دهاء الدهاء في القوة العقلية والذهنية واللغوية بين رجلين من دهاة العرب، وإلاّ فما من أحد إلاّ ودخل في العديد من المشكلات.


بيدي لا بيد عمرو


وتعقيباً عن أن البعض ينظرون إلى المشكلة على أنها نتيجة تعويق مجتمعي، أو تعويق ظرف، وليس بيده.. أوضح الشيخ سلمان أن الأساس في حل المشكلة أن يشعر الشخص بدوره في المشكلة، وألاّ يلقي بكل اللوم على الظروف والمجتمع والآخرين، مشيراً إلى أن أكثر من 80% من المشكلات التي يواجهها الإنسان هي من نفسه، وليست من صناعة الآخرين.
وكشف فضيلته عن أن الإنسان الذي يعزو فشله في التعليم إلى المدرّس أو المناهج التعليمية أو طريقة التعليم، و التاجر الذي يعزو فشله إلى المؤامرة، أو السياسي الذي يعزو فشله إلى خصومه .. هؤلاء الأشخاص يعانون من مشكلة حقيقية؛ فميزة الإنسان الناجح أنه لا يعرف مفردات الفشل؛ لأنه يدرك أن الفشل والنجاح هو قرار من الداخل؛ فهناك إنسان يحاول ويصر، وآخر يستسلم.



أسباب المشكلات

وأوضح الشيخ سلمان أن هناك الكثير من الأسباب التي تكون سبباً في حدوث العديد من المشكلات، غير أن قلة من العلماء تحدثوا عنها، ومنها:
1- الأسباب الذاتية:
يجب على الإنسان البدء بتحديد الأسباب الذاتية للوقوع في المشكلة، حتى لو كان الخطأ من الآخر، ولا يعني هذا أن يقول الإنسان: "أنا السبب ..لأني كنت متسامحاً أو صبوراً أو غير ذلك"، ولكن يجب على الشخص أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ليحدد الجانب الذي قصّر فيه، وتسبب في حدوث المشكلة، أو لعب دوراً رئيساً فيها.
1- توحيد السبب:
من الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها الكثير من الأشخاص عند محاولة إيجاد حل لمشكلاتهم "توحيد السبب"، إلاّ في حالة واحدة وهي "إذا كنت مستعداً أن ترهن مستقبلك كله بهذا السبب وتهمل أسباباً أخرى، ربما لها تأثير كبير في المشكلة القائمة فلابد من البحث عن جميع الأسباب التي يمكن أن تلعب دوراً أو آخر في المشكلة.



مشكلات وحلول

وأضاف فضيلته أن هناك طرقاً عديدة للتعرف على سبب ما يعانيه الشخص من مشكلات، منها:
1- اللجوء إلى الورقة والقلم
وقدم الشيخ سلمان نصيحة للشباب خاصة المتزوجين منهم، أنهم حتى لو لم يكونوا يحملون أي ثقافة أو فكرة أو تجربة في حل المشكلات.. فإن عليهم اللجوء إلى الورقة والقلم لتفريغ مشاعرهم وأفكارهم ومشكلاتهم، وكتابة أسباب المشكلات، وفرض الحلول المقترحة، ثم اختيار الحل الأمثل.
2- استشارة بعض الأشخاص
خاصة المقربين من الأصدقاء والأقارب والمعارف، والذين يمكن أن يقدموا الرأي والمشورة والنصيحة لصاحب المشكلة، وعلى الإنسان في هذه الحالة تقبّل النصح والإرشاد، وأن يختار الأشخاص الذي يمكن أن يكون لديهم وقت للتفكير والمساعدة في إيجاد حل لما يعانيه الشخص من مشكلات.



ابتلاء وغمّ

وتعقيباً على أن البعض يرى أن المشكلة هي عبارة عن ابتلاء من الله عز وجل.. أكد الشيخ سلمان أن المشكلة ابتلاء .. كما أن الخروج منها قد يكون ابتلاء أيضاً، يقول تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، فمن الممكن أن تكون المشكلة معصية فتكون ابتلاء، لكن لا يُستغرب أن تكون التوبة والخلاص ابتلاء أيضاً.
وفيما يتعلق بأن البعض يرون أنهم يشعرون بحالة من الهم والغم كلّما نزلت بهم مشكلة أو نائبة، مما قد يصل بالبعض إلى حد الاستسلام للاكتئاب.. قال الدكتور العودة: إن علماء النفس يقسمون الناس إلى أربع فئات أو شرائح في طريقة تعاملهم مع المشكلات:
الفئة الأولى: الهاربون
فهؤلاء الأشخاص حينما يواجهون مشكلة من المشكلات يرفضون مواجهة المشكلة، ولكن يهربون منها بمشاهدة التلفاز، أو السينما، أو غيرها من وسائل الهروب.
الفئة الثانية: المنغلقون
وهؤلاء عندما تواجههم مشكلة فإنهم يفضلون العزلة والانغلاق على أنفسهم ويتركون الأصحاب والأقارب، ويبتعدون عن أي مناشط أو فعاليات.



تمرّد وواقعية

الفئة الثالثة: المتمرّدون
وهؤلاء يتمرّدون على ما يواجههم من مشكلات، والتمرد هنا لا يعني إيجاد حل لما يواجهونه من مشكلات. ولكنه يعني أن يلقي الإنسان اللوم فيما يواجهه من مشكلات على الأسرة والمجتمع والمدرسة، وأن يدفعه ذلك إلى التمرّد على المجتمع والقيم والمبادئ الأخلاقية، وقد يتمرّد على الدين، وعلى الله -عز وجل- بسبب المشكلة.
وأوضح الدكتور العودة أن مثل هذا الشخص يكون نظير الشيطان الذي رفض أمر ربه بالسجود لآدم عليه السلام؛ لأنه كان يطمح إلى شيء آخر، ويرى أنه أفضل من آدم – وهي مشكلة ذاتية – ولكنه تمرد ورفض أمر ربه. فأي إنسان يتمرّد في مواجهة أي مشكلة من المشكلات يكون نظيراً للشيطان.
الفئة الرابعة: الواقعيون
وهؤلاء الذي يتعاملون مع ما يواجههم من مشكلات بواقعية وهدوء؛ فهو يبدأ بالتأكد من وجود مشكلة، ثم يبحث عن الأسباب الحقيقية لها، ثم يفترض الحلول المحتملة للمشكلة، ثم يتخيّر أفضل هذه الحلول، ثم ينتهي إلى اختيار الحل المناسب حسب النظريات المعروفة.



حماس وتعليم

وتعقيباً على أن بعض الأشخاص يتعاملون مع المشكلات العديدة التي تواجههم بنفس الحماس والإستراتيجية، بغض النظر عن مستواها التدريجي من العمق والسهولة والصعوبة ...أوضح الشيخ سلمان أن هذا من أخطر المشكلات التي يقع فيها الكثير من الناس، مشيراً إلى أن الانفعال قد يدفع الإنسان إلى عدم الدراية الكافية بما يقوم به من أعمال.
وأضاف فضيلته أن بعض الناس يتخذون مواقف دون أن يدروا إلى أين تذهب بهم هذه المواقف، أو لمن هي موجهة.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات التعليمية في تدريب الطلاب على كيفية مواجهة المشكلات، وإيجاد حلول عملية لها.. قال الشيخ سلمان: إن العملية التعليمية في مجتمعاتنا لا تعوّد الطلاب على إيجاد حلول عملية لما يواجهونه من مشكلات، لافتاً النظر إلى أن التعليم في مجتمعاتنا تعليم تلقيني لا يدرّب الطلاب على التفكير في حل مشكلات الحياة وكيفية مواجهتها؛ فهو يلقن الطالب المعلومات الصحيحة على أحسن تقدير، وقد تكون مغلوطة أو عفى عليها الزمن.
وأشار فضيلته أن الآباء، والمعلمين أيضاً بصفتهم آباء يقعون في نفس المشكلة، كما أن هناك من يربي الأطفال على نماذج لمشكلات حدثت معه، وكيف واجهها دون مراعاة لتغير الزمن وتغير الظروف.



مسارعة ومرونة

وحذر الشيخ سلمان من المسارعة في حل المشكلات، بالشكل الذي يفقد معه الإنسان إمكانية الوصول إلى الحل الأمثل، مشيراً إلى أن المشكلة ليست (ماكينة) نقوم بفكها بسرعة لإصلاح العطل، ولكنها بحاجة إلى مراعاة الجانب الإنساني في المشكلة.
وقال فضيلته: إنه ما من مشكلة إلاّ ولها حل، ولكن يجب عدم المسارعة في الحلول، وأن يكون صاحب المشكلة جزءاً من الحل، كما أن هذا الحل ليس نهائياً، فقد يكتشف الإنسان أن هناك حلولاً أفضل.
وأضاف الدكتور العودة أن مفهوم "المشكلة" يتسم بالمرونة؛ فما يُعدّ مشكلة عند بعض الأشخاص، قد لا يمثل مشكلة لآخرين، وأن الأمر يختلف باختلاف النشأة والتربية والقدرة على التحمل.



ثقافة الاعتذار

وأكد الشيخ سلمان على ضرورة نشر ثقافة الاعتذار في مجتمعاتنا، ولكن لابد وأن يكون الاعتذار حقيقياً، لافتاً النظر إلى أن الاعتذار ليس ضعفاً، ولكنه قوة في حد ذاته.
كما دعا فضيلته إلى ضرورة نشر ثقافة الاعتدال أيضاً في التعامل مع المشكلات التي قد تكون بوابة جديدة للإنجاز.



ظلم وخلاف

ورداً على سؤال حول حكم من يمنع ابنته من الزواج من شخص تريده بدعوى أنه ليس مناسباً، أو بسبب المال أو المهر، أو غير ذلك، وهل يُعدّ هذا ظلماً عائلياً.. أجاب الشيخ سلمان: إن العائلة هي الحارس والحامي للبنت أو الولد، فإذا كانت هي مصدر المشكلة، ومنعت زواج البنت بسبب عدم الكفاءة، أو من أجل المحافظة على المال، أو أن يكون المتقدم ليس من أقربائها.. فهذا عضل وظلم .
ورداً على سؤال حول الخلاف، وهل يمكن لشخص أن يجبر آخر على الأخذ برأي معين في مسألة فيها خلاف... قال الشيخ سلمان: الخلاف في الشريعة رحب، ولكن بعض الناس قد يفرضون عليك رأياً معيناً، و ذلك يرجع إلى نقص علمهم؛ لأن طالب العلم إذا أخذ عن أكثر من شيخ تبيّن له أن هناك آراء متعددة، واتسع أفقه ونطاق تفكيره.
أما إذا أخذ عن شيخ واحد أو تتلمذ على مذهب واحد فيكون قد خلط ما بين الرأي الفقهي والدين الشرعي، لذا نجد بعض الناس يقولون: "يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك"، ويقصد الرأي الذي يتبناه. أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يقول: "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك".



رحم وقذف


ورداً على سؤال حول حكم من كان في بلد بعيد وله أهل كثيرون، لا يستطيع وصلهم جميعهم بسبب بعد المكان، فهل يأثم لذلك؟ أجاب الشيخ سلمان: إن عليه أن يصل الأقارب مثل الوالدين والأعمام والعمات والأخوال والخالات والإخوة والأخوات، ومن هم قريبون منه، أما الآخرون فيكفي حسن الظن، أو الحرص على الالتقاء بهم كلما أتيح له ذلك في مناسبة أو غيرها.
ورداً على سؤال حول حكم "أم الزوج" التي تسبّ زوجة ابنها، وتتهمها بأنها أتت بأولادها منه سفاحاً مع أن هذا غير صحيح .. قال الشيخ سلمان: إن هذا من الكبائر، ويكفي قوله عز وجل: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم).

كما أن الله -عز وجل- جعل لهم حد القذف ثمانين جلدة، ولا تُقبل منهم شهادة. ووصفهم بالفسق، إلاّ أن يتوبوا. فلا أبلغ في حماية أعراض الناس من هذا.
ونصح فضيلته الأخت السائلة بالصبر والاحتمال، وأن تتذكر دائماً قوله تعالى: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، وأنها يمكن أن تشغل نفسها بالعمل والإنجاز أو القيام ببعض المناشط.



خدمة وتسامح

ورداً على سؤال حول حكم عمل المرأة في بيت زوجها، وهل هذا واجب عليها أم يحق لها أن تأتي بخادمة تنجز هذه الأعمال، مع رفض الزوج لذلك، خاصة وأنها تملك الكثير من المال... أجاب الشيخ سلمان: إن خدمة المرأة في بيت زوجها ليس فرضاً، بل هو من مكارم الأخلاق، ومما تعارف عليه الناس، وليس بالواجب الذي يُفرض على المرأة، ولكن الواجب عليها هو تحقيق المتعة بين الزوجين في المعاشرة، وحفظ حقوق زوجها .
ورداً على سؤال: هل المطلوب من الإنسان أن يسامح من أساء إليه، حتى لا يتأخر حسابه يوم القيامة إلى حين الاقتصاص ممن ظلمه؟ أوضح الشيخ سلمان أنه ليس على الإنسان أن يسامح بحقه بدعوى تأخّر حسابه يوم القيامة.... ولكنه أوضح أن الإنسان إذا عفا وصفح فلن يضره ذلك شيئاً، و أكّد الشيخ سلمان أنه يجب العمل على إشاعة روح التسامح بين المسلمين.

الحرب البابوية

قبل عام قام قسٌّ ألماني بحرق نفسه, بصبّ البنزين على جسده, وإشعال النار فيه؛ إعلاناً للاحتجاج على تزايد أعداد الداخلين في الإسلام في أوربا.
ومع أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد المسلمين في أوربا؛ إلا أن دراسات عدة تؤكد أنهم يلامسون السبعين مليوناً, أو يكادون.
وكنا نظن بأن هذا التصرف من قسٍّ منكور غير مذكور؛ هو تعبير عن بؤس ذاتي, وحالة مَرضيّة خاصّة؛ تعتري الكثير من المأزومين والفاشلين.


د. سلمان بن فهد العودة 6/4/1429
12/04/2008

قبل عام قام قسٌّ ألماني بحرق نفسه, بصبّ البنزين على جسده, وإشعال النار فيه؛ إعلاناً للاحتجاج على تزايد أعداد الداخلين في الإسلام في أوربا.
ومع أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد المسلمين في أوربا؛ إلا أن دراسات عدة تؤكد أنهم يلامسون السبعين مليوناً, أو يكادون.
وكنا نظن بأن هذا التصرف من قسٍّ منكور غير مذكور؛ هو تعبير عن بؤس ذاتي, وحالة مَرضيّة خاصّة؛ تعتري الكثير من المأزومين والفاشلين.
بيد أن تجشّم البابا بندكت السادس عشر - بابا الفاتيكان, ورئيس الكنيسة الكاثوليكية - بممارسة طقوس تعميد أحد المرتدين عن الإسلام, من المجاهيل النكرات, الذين لم تكد تربطهم بالإسلام صلة أصلاً؛ فهو أعلن لمصلحة ما، وبسبب إغراءات عدة ما كان معروفاً عنه؛ من بتّ صلته بهذا الدين، ومثل هذا يصدق عليه قول الربِّ -عزّ وجلّ- " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ..." [المائدة:41] والعقلاء جميعاً يدركون أن ليس في عقيدة التثليث المناقضة لنفسها, والمصادمة للعقل والفطرة؛ ما يدعو إلى التّهالك عليها, أو الانحياز إليها, أو التضحية من أجلها .
وأنك قد تجد من لم يكتب له فلج اليقين بالإيمان؛ متشككاً, أو مرتاباً, أو ملحداً, أو معرضاً، أما أن ينتقل إلى عقيدة أعْيَت أهلها فهماً وقناعة, وتحولت عندهم إلى "فضيحة " فلا.
ولا أسف على مثل هؤلاء ، بل ربما كان ما يحدث منهم لدى الفاقهين عن الله بشارة بنفي الخبث عن هذه الملة وأهلها، وقرب تحقيق الوعد الرباني: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [المائدة:54].
المثير للقلق حقاً؛ أن يتقصّد البابا أداء التعميد بنفسه لشخص كهذا، وأن يكون ذلك في يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع للمسلمين، واليوم الذي هدى الله له أهل الإسلام، وأضلّ عنه من كان قبلهم، كما في الحديث الصحيح.
إن الكاثوليك لا يعمّدون الأشخاص الكبار، وإنما يعمّدون الصغار بخلاف الكنيسة المعمدانية, التي تعمّد الكبار؛ فلماذا تجاوز رسوم الكنيسة وثوابتها؟
وإذ قد حدث ذلك؛ فلم لا يقوم بالتعميد أي كاهن بدلاً من كاهنهم الأكبر؟!
إنها حالة حرب حقيقية؛ يعلن خلالها هذا المتعصب, الذي هاجم الإسلام في غير مناسبة وبغير علم، وهل يمكن أن يهاجم الإسلام إلا بغير علم! وهو بهذا يعلن استفزازه الصارخ والمباشر للمسلمين, دون مواربة حين يقوم بهذا العمل الذي لا يحتمل غير الاستفزاز.
ثم هو يدعو أتباعه وقساوسته إلى بذل المزيد من الجهود في تنصير المسلمين, وصدهم عن دينهم، وإغراء ضعفائهم بالمال, أو المنصب, أو الجاه, أو الجنسية, أو الحظوة الإعلامية إن هم أعلنوا - ولو على سبيل التظاهر والتمثيل - لحوقهم بالنصرانية.
لقد كان سلف هذا الكاهن معنياً بالحرب على الشيوعية, وأفلح في أداء دوره في هذا السياق في بولندا وروسيا وغيرها.
أما البابا الحالي؛ فهو منساق بطبعه وطوعه ودوره المرسوم إلى تنصيب الإسلام عدواً حقيقياً ليس للكنيسة فحسب - فالإسلام فعلاً عدو للخرافة والهرطقة باسم الدين، وأكل أموال الناس بالباطل - ولكن لرسم الإسلام عدواً للغرب كله، وليعلن خطورة الامتداد الإسلامي، ويواجه بفعل عكسي حالات الإسلام المتكاثرة التي تضج بها الأخبار علانية، وتتحدث عنها تقارير الاستخبارات سراً؛ ليس إسلام المنتفعين, قد لا يكون لدى المسلمين الكثير مما يقدمونه لإخوانهم المنضمين إلى ركب الإيمان والصدق، ولكن إسلام المثقفين والأكاديميين وعلية القوم وبعض ذوي النفوذ, الذين أخذهم وهج هذا الدين ووضوحه وصدقه؛ فانقادوا إليه طائعين "أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [القصص:54].
إن هذا التعميد المتعمّد عمل مدروس، وهو رسالة مفخخة مشفرة؛ يلتقطها الأتباع ليسيروا في إستراتيجية جديدة, تستهدف مواجهة الإسلام, وتحاول أن تستمسك بما تبقى من آثار سلبية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر, وأن تدشّن مرحلة جديدة من محاربة هذا الدين وأهله.
إن هذا الدين عزيز ومنصور, ولو كره الأفّاكون والمشركون، وقد مضى الوعد الإلهي بأن يظهره الله على الدين كله:



وعــودُك حــقٌ لم نزل في انتظـارِها وكـــلُّ الرزايا فــي جوارِك تصـغُرُ
وجــندُك منــصـــورٌ وجيـــشُك قادمٌ ونــورُك فــي كلِّ الـدياجــيرِ يســفرُ
وترهــبُك الدنيــا ومــا أنــت نقــمــة ولكـنك الســـيفُ الذي ليــس يُكــسرُ



"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ"[يوسف: من الآية21].