Saturday, November 14, 2009

عدم الرضا عن الفتوى وأدب الخروج من الخلاف


- ربما لا أرضى بالفتوى وأرى رأيًا آخر.. أو أريد الخروج من الخلاف؟

الشق الأول من السؤال فيما يبدو هو راجع إلى عدم إدراك معنى الفتوى، حيث يتم الخلط بينها وبين السؤال أو الرأي، حين يكون حظ السؤال الجواب. وحظ الرأي إبداؤه ثم مناقشته.
فالفتوى مثل حكم القاضي لا يتتبعه القاضي بعد صدوره، وليس قابلاً للنقاش. ولكن هو قابل للاستئناف عند محكمة أعلى، أو للنقض، أو الإبرام عند محكمة أكبر.
وعلى ذلك فعدم الرضا بالفتوى يتطلب فتوى من جهة أعلى، ولا يتطلب اعتراضًا من هنا ومن هناك، وعدم الرضا بأمر الطبيب لا يعني إهمال الأمر، بل يستلزم الاستشارة ممن هم أكثر منه مرجعية أو علماً أو خبرة، ولا يحق لأحد من الناس أن يناقش الطبيب في رأيه ويكتفي بذلك لرفض الطب والجلوس بلا علاج..
إن كثيراً من الناس يفزع إذا ما نبهناه إلى هذا المثال، ويبادر برفضه ويَدَّعي أن ذلك حَجْراً على الرأي، أو على حريته. والأمر لا يتعلق لا برأي ولا بحرية، بقدر ما يتعلق بمنهج للفكر المستقيم يجب إتباعه، بدلاً من هذه المهزلة السخيفة بأن يهرف كل أحد بما لا يعرف.
جَرِّد نفسك لطلب الحق والصواب، وهَيّئها لقبول الحكم الشرعي ولو كان على غير هواك؛ فإن المفتي مكلف ببيان دين الله كما يعلمه، سواء أوافق ذلك هوى الناس أم خالفهم، ولا تتصور أن إنسانًا عاقلاً يقبل أن يبيع دينه بدنيا غيره، وحتى لو لم تقتنع بالفتوى، وغلبتك نفسك على قبولها، فتأدب في تلقيها وانصرف راشدًا من غير استنكار ولا رفع صوتٍ حتى يفتح الله تعالى عليك في فهمها.
أما إذا أردت أن تتورع في مسألة خلافية فلا تُلْزِم غيرك بذلك؛ فقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن حَد الورع أوسع من حد الحكم الفقهي والحلال والحرام، وذلك لأن المسلم قد يترك كثيرًا من المباح تورعًا، وهو أمر واسع يمكن أن يصل به إلى أن يخرج من ماله كله، ولكن هذا لا يعني أن يُلزِم غيره بذلك على سبيل الوجوب الشرعي؛ فيُضَيِّق على الناس معايشهم ويعطل لهم مصالحهم ويدخـل بذلك في باب تحريم الحلال، ولا يجوز للمسلم أن يتعامل مع الناس في الظني المختلف فيه، كما يتعامل مع القطعي المجمع عليه؛ وإلا دخل في البدعة بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل عليه أن يلتزم بأدب الخلاف كما هو منهج السلف الصالح في الأمور الخلافية. وقديمًا قال سفيان الثوري رحمه الله: «إنما العلم عندنا الرخصة من فقيه، فأمّا التشديد فيحسنه كل أحد».
نعم الخروج من الخلاف مستحب، ولكن لا يجوز لك إلزام غيرك بذلك ولا الانتقاص منه، فإنه لا ينكر المختلف عليه، ومن ابتلي بشيء منه فعليه أن ينوي أنه يقلد من أجاز. وليعلم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف ظاهرا وباطنا.

No comments:

Post a Comment