Saturday, November 14, 2009

الـدِّيـن والتَّدَيُّـن


- هل يجوز للمتدين أن يفتي غيره ممن ليس على ثقافة دينية؟

هناك فارق بين الدين -وهو علم- وبين التدين- وهو سلوك ومجال يطبق فيه هذا العلم، كما أن هناك فارقا بين العلم المتخصص والثقافة العامة..؛
والدين الذي هو علم له مصادره ومنهجه وقواعده، ويحتاج إلى تخصص وتفرغ، شأنه شأن سائر العلوم، أما المجال فهو قابل للمناقشة والأخذ والرد كالفنون والرياضة والحزبية والصحافة ونحوها من المجالات المهمة، أما جانب العلم من هذه المجالات فليس محله المناقشة والأخذ والرد والرأي والرأي الآخر، بل هذا مكانه الأكاديميات التي تتخصص فيه.
الجهل -أو عدم الاعتراف- بهذا الفارق بين العلم والمجال هو ما جعل بعض الناس ممن يتكلمون فيما لا يعلمون يظنون أن تغير بعض الأحكام المرتبطة بالعرف أو تغير بعض وسائل الحياة المرتبطة بالزمن. يقتضي تغير جميع أحكام الدين لمجرد أن الزمان قد اختلف. وربما يأتي اليوم الذي يخرج علينا من يقول إن الأمر أيام النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة الله وحده، والزمن قد اختلف فينبغي علينا أن نشرك بالله مسايرة للعصر!! وما ذاك إلا أنهم اعتبروا الدين مجالا يتكلمون فيه بجهلهم، ولم يفطنوا أن الدين علم، والتدين العملي هو سلوك. وهناك فرق بين علم الدين وبين التدين العملي، وأن علم الدين هو علم كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ و .... إلخ
وهو يحتاج أيضًا إلي أركان العملية التعليمية. التي لا يتم العلم إلا بها. وهي: الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي. وأن طريق التعلم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام ثم التعليم الجامعي ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة.
وله أيضًا أساليبه المختلفة للتمكن منه، بعضها نظري، وبعضها تطبيقي، وبعضها حياتي وعملي.
كما أن أداءه يختلف من رسالة علمية إلي كتاب مقرر.. إلي بحث في مجلة محكمة.. إلي بحث للمناقشة أو كمحور في مؤتمر للجماعة العلمية يخبر فيه صاحبه تلك الجماعة بنتائج.
وسيظل أمر الجماعة العلمية دائما مختلفًا تبعًا للمنح الربانية، والعطايا الصمدانية، والمواهب التي يمنحها الله لكل شخص يتميز بها علي الآخرين، وسيظل أمر التخصص العام مرعيًا والتخصص الدقيق مطلوب.
وسيظل هناك فارق بين من ينجح في تحصيل الدروس ولا ينجح في الحياة، ومن ينجح فيها، ومن وصل إلي مرتبة الحجة والمرجعية ولا يحسن التعامل مع الحياة، أو يحسن التعامل معها، كما قال شوقي في أواخر قصيدة «كتابي»:
وكم منجبٍ في تلقي الدروس تلقَّى الحياة فلم ينجب
وكل هذه المعاني نراها في كل مجال، ولعل أقرب مجال ينطبق عليه ما ينطبق علي علم الدين هو مجال الطب. وفي علم الطب: انظر إلي كل ما ذكرناه وكأننا نتكلم عن علم طب الأبدان، في حين أنني كنت أؤكد علي علم حفظ الأديان... وكل ذلك يختلف عن حق الناس في رعاية صحتها والوقاية من الأمراض والعلاج منها، ومبادئ الحياة الصحية الصحيحة التي يتمناها كل إنسان، بل هي من حقه.
كما يختلف علم الدين عن التدين الذي هو لازم لكل إنسان ويحتاجه كل أحد من الناس، بل يحتاجه الناس علي مستوى الفرد والجماعة والأمة.
على الرغم من وضوح الفرق بين علم الدين والتدين، أو علم الطب ومراعاة الصحة العامة، إلا أن هذا الفرق غير معترف به في غالب ثقافتنا، ونرى خلطًا ضارًّا له صور منتشرة في جميع القطاعات لم ينج منه إلا من رحم الله -وهم قلة في ثقافتنا السائدة- وأرجو الله أن يفتح البصائر بهذه الدعوى لمراجعة جادة مهمة لمواقف كثير من علمائنا ومفكرينا بشأن موقفهم من هذه البدهية.
إننا نرى ما يؤكد أنه ليس هناك اعتراف بالفرق بين علم الدين والتدين. من ذلك أن أستاذ العلوم أو الزراعة أو الصحافة أو الهندسة أو الطب صار يتكلم في شأن الفقه، ويناقش الفتوي التي صدرت ممن تخصص وأمضي حياته في المصادروإدراك الواقع. وما هذا إلا لأنه مثقف ديني، أو لأنه لا يعرف، أو لم يقتنع بالفرق بين علم الدين وبين التدين. ويرى أن الأمر مباح ومتاح للجميع!

No comments:

Post a Comment